ما جرى في يناير من هذا العام، حين تدخلت السعودية عسكريًا وقصفت القوات الجنوبية وأجبرتها على الانسحاب من حضرموت والمهرة، بعد أن كانت تلك القوات قد تمكنت من طرد قوات تابعة للشرعية اليمنية من المحافظات الجنوبية، أعاد إلى الأذهان مشاهد عام 1994 بكل تفاصيلها المؤلمة.
فمنذ تلك اللحظة، بدأ كثير من الخطاب اليمني يتعامل مع الجنوب والجنوبيين بعقلية المنتصر والوصي، تمامًا كما حدث بعد حرب 94، حين اجتاح نظام علي عبدالله صالح ومعه قوى الإصلاح الجنوب بالقوة، وتحول الخطاب الإعلامي والسياسي إلى خطاب تخوين وتحريض ضد كل من يطالب بحق الجنوب في فك الارتباط واستعادة دولته.
والمؤلم أن نفس الأصوات التي كانت بالأمس تهاجم الجنوب وتحرّض ضد الجنوبيين، عادت اليوم للظهور بنفس اللغة ونفس العقلية، وكأن شيئًا لم يتغير. بل وصل الأمر بالبعض إلى الدعوة لتصفية الجنوبيين سياسيًا وعسكريًا فقط لأنهم يطالبون بحقهم المشروع في تقرير مصيرهم.
لكن الفارق اليوم أن اليمن لم يعد بيد ما يسمى بالشرعية، بل أصبح الجزء الأكبر منه تحت سيطرة الحوثيين، بينما تُستخدم بعض القوى التابعة للشرعية كورقة نفوذ وصراع داخل الجنوب. وهنا يبرز السؤال الكبير: أي عقلية تحكم هذه القوى؟ وكيف تنكرت لكل ما قدمه الجنوبيون لها؟
فالجنوب كان الملاذ الآمن لمئات الآلاف من أبناء اليمن الذين شردتهم الحرب، وفتح لهم أبوابه ومدنه وشاركهم لقمة العيش، وتعامل معهم باعتبارهم إخوة في الإنسانية والمصير. لكن بدلًا من رد الجميل، عاد بعض المتنفذين منهم إلى خطاب الإقصاء والتخوين والتحريض ضد الجنوب وقضيته.
وعلى السعودية أن تدرك أن هذه القوى لا تؤمن بالشراكة ولا تبحث عن وطن مستقر، بل تعيش على الحروب والأزمات، وتعتبر الجنوب مجرد ساحة نفوذ ومصالح. فالقوى التي فشلت في حماية صنعاء، وسلمت اليمن للحوثيين، لا يمكن الوثوق بأنها تحمل مشروع دولة حقيقي، بقدر ما تحمل مشروع بقاء واستفادة من استمرار الصراع.
إن الجنوب اليوم لا يطالب إلا بحقه في العيش بكرامة واستعادة دولته وهويته، بعيدًا عن مشاريع الهيمنة والتبعية، وأي محاولة لإعادة إنتاج عقلية 94 لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والانقسام في المنطقة .
بقلم عبدالحميد السقلدي
