ليس كل اليمن يعاني، لكن معاناة الجنوب تحديدًا تجاوزت كل حدود الألم. فبينما تتقاسم القوى المتنفذة مواقع النفوذ والثروة في فنادق الرياض وعمّان، يدفع أبناء الجنوب الفاتورة الأغلى في صراع لا ينتهي. حكومة يُقال عنها “شرعية”، لكنها في حقيقة الأمر حكومة “فنادق” لا تشعر بالجنوب إلا عندما تريد فرض إراداتها أو اقتياد أبنائه إلى جبهات لا نصر فيها.

نهب للخدمات وتجويع ممنهج

شعب الجنوب كان يملك دولة كاملة بكل مؤسساتها وخدماتها، لكنه اليوم يعيش أسوأ مراحل التاريخ. انهارت الكهرباء تمامًا في عدن والمحافظات المجاورة، وتحولت المستشفيات إلى مقابر جماعية تنقصها أبسط مقومات العلاج. المدارس تغلق أبوابها، والطرق تتحول إلى مستنقعات، والمياه تنقطع لأيام وأسابيع. مواطن جنوبي يقول بنبرة حزينة: “كنا أفضل حالًا في الماضي البعيد.. اليوم نحن رهينة فساد حكومة لا ترانا سوى أرقامًا في تقاريرها”.

فساد حكومة الفنادق

أبناء الجنوب يتقاضون رواتبهم الشهرية -إن قبضوها- بالريال اليمني المنهار، بينما يتقاضى مسؤولو الحكومة التي لا تحرك ساكنًا رواتبهم بالعملة الصعبة، ويعيشون في أفخم فنادق الرياض. والأدهى أن تلك الحكومة لم تبنِ مستشفى واحدًا في الجنوب، ولم تصلح شارعًا، ولم تقدم حلًا لأزمة الكهرباء، بل تفرجت على سرقة مقدرات الجنوب ونهب مرافقه، بينما يتضور أبناؤه جوعًا وعطشًا.

صراع القوى المتنفذة.. والجنوب هو الضحية

المأساة الحقيقية أن الجنوب أصبح ساحة مفتوحة لصراع النفوذ بين القوى المتصارعة. كل طرف يريد أن يفرض هيمنته، والجنوبيون يدفعون الدماء. اعتقالات، اغتيالات، اختطافات، وتجويع ممنهج.. هذا هو واقع المواطن الجنوبي اليوم. لا ينصفه التحالف ولا ترحمه القوى المتنفذه، وحكومة الفنادق توزع المناصب والموازنات على محازبيها، تاركة الجنوب غارقًا في الفقر والأمراض والتخلف.

حكاية العذر الدائم: المجلس الانتقالي كان العقبة.. فماذا بعد؟

لطالما رددت حكومة الشرعية -حكومة الفنادق- أن العائق الأكبر أمامها هو “المجلس الانتقالي الجنوبي”، متهمة إياه بتعطيل عمل الحكومة وعرقلة تقديم الخدمات. كانوا يقولون: “الانتقالي هو المشكلة، وهو من يمنعنا من إصلاح الأوضاع في الجنوب”. لكن اليوم، وبعد أن خرج المجلس الانتقالي من اللعبة سياسيًا، وتلاشت حجته ككبش فداء، وأصبح الطرف الأضعف في المعادلة، أين هي الوعود التي كانوا يطلقونها؟ أين الكهرباء؟ أين الماء؟ أين المستشفيات؟ أين الرواتب؟ لقد انكشفت الحقيقة المرّة: لم يكن الانتقالي يومًا سوى واجهة تختبئ خلفها حكومة عاجزة وفاسدة لا تريد للجنوب أن ينهض، ولا تريد لأبنائه أن يعيشوا بكرامة. فاليوم وقد غاب العذر، بقي الجنوب على حاله بل أسوأ.

إلى متى؟

إلى متى سيظل أبناء الجنوب يدفعون ثمن صراع لا علاقة لهم به؟ إلى متى ستظل حكومة الفنادق تتقاضى رواتبها بالدولار بينما شعب الجنوب لا يجد لقمة العيش أو دواءً لمرضاه؟ الجنوب الذي كان يومًا درة الجزيرة العربية تحول إلى بقعة مهملة من قبل حكومة لا تستحق صفة الشرعية.

رسالة إلى حكومة الفنادق:

إذا كنتم حقًا حكومة شرعية، فلتأتوا إلى الجنوب، وارقبوا بأعينكم ما حل به. استمعوا إلى أنين المرضى في المستشفيات التي لا دواء فيها، وانظروا إلى ظلام الليل دون كهرباء، وتذوقوا مرارة العيش بدون ماء. ثم احكموا بأنفسكم: هل أنتم أهلاً للحكم؟ أم أنكم مجرد رعاة فساد لا يهمكم إلا كراسيكم ورواتبكم؟

ختامًا:

نسأل الله أن ينتقم لأبناء الجنوب من كل ظالم، وأن يبدل حالهم إلى أحسن حال. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. اللهم فرج كربهم، وارحم ضعفهم، وانصرهم على من ظلمهم ونهب مقدراتهم.

عدن 22 مايو 2026