‏(ليس لله نِدٌّ كي يباهيه)

“أحدوثة مباهاة الله بالحجاج يوم عرفة”

ورد في مدوَّنة مسلم برقم (1348)، مزعومًا على لسان النبي ﷺ ما نَصُّه:

“«ما من يومٍ أكثرَ من أن يُعتقَ اللهُ فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه لَيَدنو ثم يُباهي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟»”.

ونحن نقول مستنكرين ومستكبرين أن يُنسَبَ هذا القولُ الشَّطَطُ للنبي الأكرم: هل يحتاج الله – سبحانه – لأنْ “يَهبِط” يوم عرفة فوق الحجاج و “يُباهي” بهم الملائكة!! وكأن الملائكة قرناءُ له؟! فالتباهي لا يكون إلا بين الأقران!! فتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

وإني ماضٍ وشارعٌ في المنشور مستعينًا بالله لأقول وأنا غضبانُ أَسِف:

إنَّ مِن أشنع ما دخل على التصورات الدينية عن الخالق، هو تحويل صورته إلى كائنٍ يتحرك ويصعد ويهبط ويجيء انتقالًا حقيقيًّا كما تنتقل الأجسام، ثم محاولة تلطيف هذا التصور بعبارات مثل: “دون تكييف”، أو “بما يليق به”!!

بينما الإشكال ليس في “الكيف”، بل في أصل المعنى نفسه؛ لأن الحركة والانتقال والمجيء والنزول، لا تكون إلا لشيءٍ داخلَ حيِّز، مرتبطٍ بمكان، يَشغله أو ينتقل منه إلى غيره. وكل متحيّزٍ في مكان، فالمكان مستوعبٌ له من جهة، ومحيطٌ به من جهة أخرى، وهذا وصف المخلوقات لا وصف خالق المخلوقات تبارك في عليائه.

فالله – جلَّ شأنُه – ليس جسمًا حتى ينتقل، وليس جرمًا حتى يحويه مكان، وليس داخل العالم حتى يعلو عليه من جهة ثم يهبط منه إلى جهة أخرى. بل هو خالق المكان والزمان، ومن المحال عقلًا أن يكون الخالق محكومًا بما خلقه. فالذي خلق الجهات لا تَحُدُّهُ جهة، والذي خلق الزمان لا يجري عليه زمان.

وقد قرر القرآن هذا المعنى بأوضح بيان، فقال تعالى:

– ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى: 11].

فكل ما كان من خصائص الأجسام والمخلوقات فالله منزَّه عنه يقينًا.

– ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِن﴾ [الحديد: 3].

فوجوده مطلق غير محدود بحدود الخلق.

– ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: 4].

ولو كان نزوله وصعوده انتقالًا حقيقيًّا؛ لكان قربه متفاوتًا بحسب المسافات والجهات، وهذا من صفات الأجسام.

أما ما يُروى من “النزول الإلهي” في الثلث الأخير من الليل (مدوَّنة البخاري: 1145)، فهو – فوق ما فيه من الإشكالات النقلية – يتضمن إشكالًا عقليًّا ظاهرًا؛ لأن ثلث الليل حالٌ دائمةٌ لا تنقطع عن الأرض. فالأرض كروية، وكلما انتهى الثلث الأخير من جهة بدأ في جهة أخرى، فيلزم من ذلك أن يكون النزول دائمًا لا ينقطع لحظة واحدة! فأين الصعود إذن؟ ومتى يكون فوق العرش بزعمهم؟! ثم ما معنى الانتقال الزمني لمن لا يجري عليه الزمن؟!

وفوق ذلك، فإن تصوير الله وكأنه “ينزل” كل ليلة ليقترب من خلقه، يوحي بأن حاله قبل النزول ليست كذلك، وكأن القرب يتجدد له بعد أن لم يكن، وهذا قدحٌ في كماله؛ لأن الله لا يتغير من حال إلى حال، ولا تَعرض له الأحوال المتعاقبة كما تَعرض للمخلوق.

وكذلك ما يُروى في يوم عرفة من أنه – تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا – “ينزل” و “يباهي” بالحجاج ملائكته، فهو خطاب مشحون بالتصورات البشرية؛ إذ التباهي لا يكون إلا بين الأقران، والله – سبحانه – ليس له نِدٌّ ولا نظير حتى يباهيَ أحدًا بأحد. والملائكة عبادٌ مكرمون لا يحيطون به علمًا، فكيف يُجعل المشهد وكأنه مجلس مفاخرة بين ذواتٍ متقاربة؟! تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

أما الآيات مثل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]، و: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَام﴾ [البقرة: 210]، فلا يمكن حملها على المجيء الحسي الانتقالي؛ لأن ذلك يصادم المحكم القطعي في تنزيه الله عن مشابهة الخلق.

والمقصود بها مجيء أمر الله وقضائه وسلطانه وعذابه، كما تقول العرب: “جاء الملك” أي جاء أمره وجنده وسلطانه، لا أن ذاته انتقلت بنفسها إلى المكان.

والقرآن نفسه يفسر هذا الاستعمال، قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّك﴾ [النحل: 33]، فمرةً يذكر الأمر صراحة، ومرةً يحذف للعلم به من السياق. وهذا من أساليب العربية المعروفة.

إن تنزيه الله ليس تعطيلًا لصفاته؛ بل هو تنزيهٌ له – بما هو أهلٌ له عزَّ وجلّ – عن خصائص النقص والحدوث والاحتياج. فكل ما دلّ على الحدّ والجهة والحركة والتغيُّر والانتقال، فهو من صفات المخلوق، واللهُ منزَّهٌ عن ذلك كله؛ لأنه العظيم الذي لا تُحيط به الأمكنة، ولا تجري عليه الأزمنة، ولا يشبه شيئًا من خلقه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 43].