لم تعد أزمات المشتقات النفطية والغاز المنزلي في العاصمة المؤقتة عدن ومحافظات الجنوب مجرد شح عابر في الموارد، بل تحولت إلى حصار اقتصادي ممنهج وعقاب جماعي منظم.
طوابير المواطنين الطويلة أمام محطات الوقود ووكالات الغاز وإغلاق المخابز وشلل حركة المواصلات، ليست إلا نتائج مباشرة لسياسة تدار بغرف مظلمة تهدف إلى إنهاك الحاضنة الشعبية وتشتيتها بالركض وراء مقومات الحياة الأساسية.
تُرجع الروايات الرسمية الأزمة دائماً إلى “قطاعات قبلية” في خطوط الإمداد البرية تعترض مقطورات الغاز والوقود.. لكن القراءة العميقة للواقع الميداني تكشف أن القبيلة ليست سوى غطاء وشماعة؛ فالقائمون على هذه التقطعات والنقاط العشوائية يمتلكون أسلحة ونفوذاً لا يتوفر لعشائر معزولة.
إنهم في الحقيقة قادة عسكريون ومسؤولون محليون وجنود يرتدون الزي المدني بـ “إيعاز” من جهات نافذة، بهدف قوننة الفساد وتحويل خطوط نقل الطاقة إلى مناجم لجباية ملايين الريالات يومياً كإتاوات غير قانونية فضلاً عن الإصرار على إبقاء منشأة استراتيجية كـ “مصافي عدن” معطلة ومجمدة عن التكرير لضمان بقاء السوق تحت رحمة كارتيلات الاستيراد والسوق السوداء.
ويُستهدف الجنوب تحديداً لأن ملف الخدمات والملف المعيشي صارا الورقة السياسية الأقوى للضغط وتصفية الحسابات.. والهدف هو إبقاء المحافظات الجنوبية في حالة عدم استقرار دائم، وتحويل عدن إلى نموذج عاجز خدمياً واقتصادياً لإلهاء الشارع الجنوبي بالأزمات المعيشية اليومية وبتر تطلعاته ومطالبه السياسية.
يقف وراء هذا الحصار تحالف مصلحي غير معلن يتكون من أجنحة نفوذ سياسي داخل منظومة الشرعية، وتجار حروب مستفيدين من تعطيل الإنتاج المحلي، وأدوات فساد ميداني من قادة وحدات عسكرية وأمنية يتقاسمون عائدات الجبايات.
وتتجلى المفارقة المرة والصادمة عند مقارنة الخطاب العسكري بالواقع على الأرض؛ فأين هي تلك الترسانات العسكرية الضخمة، والتشكيلات المتعددة من مايسمى “الجيش الوطني”، وقوات “الطوارئ”، وقوات “درع الوطن”، وغيرها من الجيوش التي تصدح وسائل إعلامها ليلاً ونهاراً بشعارات “تحرير صنعاء” و”اجتثاث المد الحوثي”؟
كيف لقوات تدّعي جهوزيتها لإسقاط سلطة قضت على القبيلة وأخضعت مناطقها بقبضة حديدية، أن تقف عاجزة أمام قاطع طريق أو بلاطجة متقطعين في مأرب ؟
كيف لقائد عسكري يزعم القدرة على اقتحام الجبال والتحصينات في شمال الشمال ألا يستطيع تأمين مقطورة غاز منزلي يحتاجها الأطفال والنساء في عدن؟
إن هذا العجز الفاضح والتغاضي المستمر يثبت للقاصي والداني أن هناك “ضوءاً أخضر” وتواطؤاً مبطناً لإبقاء هذه القطاعات قائمة، لأن ذهاب الأزمة يعني ذهاب مصالح ومكاسب شبكات النفوذ، بينما يظل المواطن البسيط وحده من يدفع ثمن هذا الخذلان الممنهج من قوته وقوت عياله.
