تتزايد في الجنوب العربي وفي المقدمة العاصمة عدن، الشكاوى الشعبية من تدهور حاد في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، إلى جانب أزمات انقطاع المرتبات وانهيار القوة الشرائية للعملة المحلية.
هذا الوضع المتفاقم دفع الكثير من المراقبين والمواطنين إلى التساؤل حول طبيعة هذه الأزمات:
هل هي نتاج فشل إداري وفساد مستشرٍ، أم أنها تمثل استراتيجية تعمد قوى معينة استخدامها لإخضاع الشارع الجنوبي والتحكم في تطلعاته السياسية؟
الخدمات كأداة ضغط: فرضية الإخضاع والتركيع:
يرى تيار واسع من المحللين والشارع الجنوبي أن تكرار أزمات الصيف الخانق مع انقطاع الكهرباء وتأخر الرواتب ليس مجرد صدفة أو عجز تقني، بل يصفونها بـ”حرب الخدمات”. ووفقًا لهذا المنظور فإن الهدف من هذه السياسة هو إشغال المواطن بتأمين لقمة العيش ومتطلبات الحياة اليومية الأساسية، مما يستنزف طاقته ويصرف انتباهه عن المطالبة بالحقوق السياسية أو القضايا الكبرى المتعلقة بإدارة شؤون الجنوب ومستقبله.
من المسؤول؟ “شرعية الفساد” أم القوى الإقليمية؟:
تتقاسم عدة أطراف المسؤولية عن هذا التدهور بحسب التحليلات السياسية والاقتصادية؛ حيث يوجه الكثيرون أصابع الاتهام المباشرة إلى من يصفونها بـ”منظومة الفساد” داخل مايسمى “مؤسسات الدولة” لغياب الشفافية وسوء إدارة الموارد.
في المقابل لا يعزل البعض هذه الأزمات عن أدوار القوى الإقليمية المؤثرة وتجاذباتها السياسية فضلاً عن تعنت قوى محلية تسعى لإبقاء الجنوب في حالة عدم استقرار دائم لخدمة مصالحها الخاصة.
سيناريوهات الحراك الشعبي المتوقعة:
أمام هذا الاختناق المعيشي المستمر تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية لشكل الحراك الشعبي القادم:
الاحتجاجات المتقطعة الغاضبة: حراك عفوي يعتمد على قطع الطرقات والعصيان المدني الجزئي كأداة ضغط آنية لتوفير حلول ترقيعية.
الثورة الشعبية المنظمة: تحرك مدروس تقوده نقابات عمالية ومكونات سياسية لتوجيه الغضب نحو اقتلاع منظومة الفساد وإدارة المؤسسات ذاتياً.
الانفجار المجتمعي الشامل: سيناريو خارج عن السيطرة السياسية تندلع فيه “ثورة جياع” عارمة ومواجهة مباشرة ضد جميع الأطراف دون استثناء.
تأثير غياب النخب والتنظيم:
إن غياب القيادة الموحدة للاحتجاجات الشعبية حتى الآن يساهم في إطالة أمد الأزمة المعيشية.. فتحول الغضب العفوي المتناثر إلى مسار سياسي منظم هو ما تخشاه القوى المستفيدة من الوضع الحالي ،لأن التنظيم يملك وحده القدرة على فرض إرادة الشارع وتحويل الشكوى إلى أداة ضغط حقيقية قادرة على تغيير قواعد اللعبة وإجبار صناع القرار على التراجع.
لقمة العيش وحافة الانفجار:
تاريخيًا أثبتت الأزمات المعيشية أنها الوقود الأسرع لاندلاع الاحتجاجات.
إن استمرار الضغط الاقتصادي على المواطن في أبسط حقوقه قد يؤدي إلى نتائج عكسية لمن يديرون هذه الأزمات؛ فحين تصل المعاناة إلى لقمة العيش يتحول الإحباط إلى غضب عارم يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، مما يضع جميع الأطراف —المحلية منها والإقليمية— أمام مسؤولية تاريخية لتدارك الوضع قبل حدوث انفجار مجتمعي شامل.
