الإرادة قبل الثروة: مفارقة التنمية بين تجربة أفغانستان وواقع الإدارة اليمنية

إن المتأمل في مسارات النهوض الإنساني والتنموي عبر التاريخ يدرك يقيناً أن الثروة الحقيقية للدول لا تُقاس بما تختزنه باطن الأرض من نفط أو غاز أو معادن، بل تبدأ وتنتهي عند “الإنسان الكفء” والإدارة المخلصة للوطن.

تتجلى هذه الحقيقة في واحدة من أكبر المفارقات المعاصرة، عندما نرى دولة مثل أفغانستان تشرع في تدشين مشروع كهرباء ضخم بقدرة تصل إلى 10,000 ميجاوات وبكلفة مالية تُقدر بعشرة مليارات دولار. يُنجز هذا المشروع في بلد يخرج من أزمات متعاقبة ولا يمتلك وفرة من الثروات النفطية والمالية، لكنه استطاع تحريك عجلة التنمية بفضل توجيه الموارد نحو الهدف، ومحاربة الفساد المالي والإداري الذي يُعد الآفة الأولى لتعطيل المشاريع.

وفي المقابل، يقف المتابع في دهشة أمام واقع أليم نعيشه في بلادنا؛ حيث ننام ونستيقظ على بحار من الثروات الطبيعية الهائلة، من مشتقات نفطية وغاز طبيعي مسال، ومع ذلك يتجرع المواطن مرارة الأزمات المتلاحقة للحصول على أدنى مقومات الحياة الأساسية، كأنبوب غاز منزلي أو لتر وقود لسيارته!

إنها مفارقة عجيبة تضع الحقيقة الحافية أمام أعيننا: إن الفساد المالي والإداري حين ينخر في جسد الدولة، فإنه يُحيل أقوى الثروات إلى رماد، ويُعطل أسباب الحياة، بينما تنمية العنصر البشري وتطبيق مبادئ الشفافية والنزاهة وحسن التخطيط قادرة على صنع المعجزات بأقل الإمكانيات.

إن بناء الأوطان لا يحتاج إلى وفرة الموارد بقدر ما يحتاج إلى رجال ومُؤتمنين يُقَدِّمون المصلحة العامة، ويتعاملون مع المسؤولية تكليفاً لا تشريفاً، حتى تغدو الثروات نعمة على العباد لا مجرد أرقام في التقارير.