تظل مدينة عدن حالة فريدة في التاريخ العربي المعاصر ،فهي ليست مجرد ميناء استراتيجي، بل صيرورة ثقافية واقتصادية شكلت هويتها المدنية الخاصة المنفتحة على العالم.
عدن قبل الاستعمار: امتداد وجذور:
قبل وصول القوات البريطانية عام 1839م كانت عدن تمثل الامتداد الطبيعي لجغرافيتها، محتفظة بخصوصية اجتماعية صهرت بداخلها كل من استقر فيها للعمل والعيش في وئام وتعايش.. لم تكن المدينة يوماً بيئة للتعصب، بل نقطة تلاقٍ تجارية وثقافية صانها مجتمع مدني متجانس.
العهد البريطاني: التهميش وشعار “عدن للعدنيين”:
مع تحويل بريطانيا للمدينة إلى “ميناء حر” عام 1850م شهدت عدن طفرة تنموية هائلة لكنها جاءت مصحوبة بتهميش مبرمج ضد أبناء الأرض العرب؛ حيث احتكر الوافدون الأجانب والجاليات المستوردة الوظائف الإدارية العليا والامتيازات التجارية، وغُيبت اللغة العربية لصالح الإنجليزية.
ورداً على هذا الاستلاب رُفع في مطلع الخمسينيات شعار “عدن للعدنيين” بزعامة المفكر والمحامي محمد علي لقمان عبر “الجمعية العدنية”.
لم يكن الشعار عنصرياً بل صرخة حقوقية لحماية الهوية المدنية والمطالبة بالحكم الذاتي.
وقد حدد لقمان “العدني الأصيل” بأنه من تناسل من أسلاف عاشوا في عدن قبل الاستعمار أو من اتخذها وطناً دائماً وهويّة أساسية منعاً لتذويب قرار المدينة في صراعات المحيط القبلية.
صدمة ما بعد 1967: الجبهة القومية وتعميق الإقصاء:
لكن الصدمة الأقسى حدثت بعد رحيل بريطانيا عام 1967م؛ إذ استولت الجبهة القومية (الحزب الاشتراكي لاحقاً) على مقاليد الحكم ،وبدلاً من إنصاف أبناء عدن واجهوا موجة إقصاء عاتية.
وتحت شعارات “تطهير جهاز الدولة” جرى فصل وطرد جماعي ومباشر للآلاف من الكوادر والعدنيين الأصليين من وظائفهم الإدارية والأمنية واستبدالهم بكوادر ريفية تفتقر للخبرة المؤسسية.
كما قضت قرارات التأميم على البيوت التجارية العريقة مما دفع العائلات والكفاءات الفكرية للهجرة القسرية، وطُمست الهوية المدنية لتدخل المدينة في صراعات أيديولوجية دمرت نسيجها المنفتح.
الرؤية المستقبلية: نحو وضع خاص وسيادة لأبنائها:
إن استيعاب دروس التاريخ يفرض اليوم ضرورة إنصاف عدن وتجنيبها المحاصصات السياسية والمناطقية الحالية.
وتتلخص تطلعات أبنائها في منح عدن وضعاً سياسياً وإدارياً خاصاً ومستقلاً (حكم ذاتي كامل)، وأن لا يتم التحكم في قرارها السياسي، والأمني، والاقتصادي إلا من قبل أبنائها الأصليين الذين حددهم لقمان والذين يمتلكون وحدهم الولاء لمدنيتها وثقافتها.
إن استقرار عدن مرهون برفع يد الوصاية عنها وإعادة القرار الحق لأبنائها ليقودوا مؤسساتها ومينائها التاريخي نحو الازدهار من جديد.
