تعد المطارات في أي بلد في العالم شريان الحياة الاقتصادي والإنساني والوجهة الأولى التي تعكس استقرار الدول وسيادتها.
لكن في الجنوب تحولت المطارات الدولية والمحلية مثل مطاري “الريان” في حضرموت و”عتق” في شبوة إلى لغز سياسي محير؛ فكلما أُعلن عن جاهزيتها الفنية والتقنية، وافتتاحها لإرساء “دواعي التنمية”، تظل المدرجات خاوية، ليطرح الشارع الجنوبي السؤال الأبرز:
لماذا لا تُعاد الحركة الملاحية بانتظام بعد أن انتفت كافة الذرائع والأسباب المعلنة سابقاً؟
الأسباب الحقيقية وراء استمرار الإغلاق:
لقد سقطت الأقنعة والذرائع الأمنية بعد التحولات الأخيرة، وظهر أن الأسباب الحقيقية ليست لوجستية بل هي قيود مفروضة بقرار سياسي وعسكري خارجي متعمّد يهدف إلى:
– سلاح الحصار وسلب السيادة: إن إبقاء المطارات مغلقة هو أداة لإبقاء هذه المحافظات الحيوية (الممتدة من شبوة النفطية إلى حضرموت الاستراتيجية) تحت الهيمنة المباشرة وقيد التبعية، فمن يملك الأجواء والمنافذ يملك مفاتيح القرار الاقتصادي والسياسي.
– منع الاستقلال الاقتصادي للجنوب: تشغيل مطارات الريان وعتق يعود بإيرادات مالية ضخمة وينعش الحركة التجارية.. وتعطيلها هو محاولة ممنهجة لمنع قوى الجنوب من تحقيق أي استقرار مالي أو نهوض اقتصادي ذاتي.
– الحسابات العسكرية العابرة للحدود: تحولت هذه المنشآت الحيوية في استراتيجية التحالف والقوى الإقليمية المتصارعة إلى ثكنات عسكرية وقواعد لوجستية مغلقة تخدم مصالحها الأمنية الخاصة وحركات قواتها، مضحيةً بالحق الإنساني للمدنيين.
– سياسة “الحقن التخديرية”: تُستغل إعلانات التدشين والافتتاح كورقة مناورة إعلامية لامتصاص الاحتقان الشعبي والمطالبات المستمرة، فما إن يهدأ الشارع حتى تعود حركة الملاحة إلى نقطة الصفر بذرائع واهية.
من المستفيد من توقف المطارات؟
المستفيد الأول والأخير من هذا الشلل الممنهج هو القوى الإقليمية النافذة والقوات اليمنية الموالية لها المتواجدة على الأرض؛ حيث يضمن لها هذا الإغلاق بقاء الجنوب ساحة مكشوفة ومخترقة وخاضعة لابتزاز “التصاريح الجوية” التي تصدرها غرفة عمليات التحالف.
كما تستفيد من هذا الوضع الأطراف السياسية اليمنية، والتي ترى في استمرار حصار المحافظات الجنوبية وإغلاق منافذها وسيلة لإضعاف الحاضنة الشعبية للقوى الوطنية الجنوبية وإظهارها بمظهر العاجز عن إدارة الملفات الخدمية والسيادية.. يضاف إلى هؤلاء هوامير الفساد ومحتكري قطاع النقل والخدمات الذين يستثمرون في عذاب المواطن عبر إجباره على السفر لمئات الكيلومترات براً، مما يدر عليهم أرباحاً احتكارية خيالية.
إن بقاء مطارات الريان وعتق أسيرة لـ “فيتو” القوى الخارجية والمقايضات السياسية، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ملف المنافذ السيادية في الجنوب لم يكن يوماً ملفاً فنيّاً، بل هو أحد أبرز أسلحة التركيع السياسي والاقتصادي المستخدمة ضد تطلعات أبناء الجنوب
