إنه لَمِمَّا يؤسَفُ له، أن يفهم الكثيرون معنى “قُوَامة” الرجل على المرأة في القرآن المجيد على غير وجهها ومقاصدها، فهي ليست امتيازًا للرجل؛ بل تكليفٌ له، وليست رخصةً للتسلط؛ بل مسؤوليةٌ للرعاية.
وهذا من أكثر المعاني التي أُسيء فهمها؛ حين اختُزلت في معنى السيادة والهيمنة. بينما سياق الآية ولغة القرآن ومقاصده السامية؛ كل ذلك يدل على معنًى مختلِفٍ جدًّا.
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]. ولو تأملنا كلمة «قَوَّامُون» من جهة اللغة؛ لوجدنا أنها صيغة مبالغة من الفعل «قام». والعرب تقول: «قام على فلان»، أي: رعاه، وخدمه، واعتنى بشؤونه، وتحمل مسؤوليته، ولا يُفهم من هذا التعبير معنى التسلط أو الاستعلاء.
فنحن نقول – مثلًا -: «قام الابن على أبيه المريض»، أي: لازمه، وخدمه، وقضى حاجاته، واعتنى به حتى تعافى. ولا يفهم أحد من هذا أن الابن أصبح سيدًا على أبيه أو متسلطًا عليه! وإنما صار مسؤولًا عن رعايته. وعلى هذا، فالقوامة في الآية هي قيامُ الرجل بمسؤولية الأسرة، لا قيامُهُ فوق المرأة منزلةً وسلطانًا.
ثم إن الله – سبحانه – بَيَّنَ سبب هذه القوامة فقال: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. ومن المهم هنا أن نتوقف عند كلمة «فَضَّلَ»؛ فكثيرون يظنون أن التفضيل يعني أن الرجل أفضل من المرأة، وهذا ليس ما تدل عليه الآية.
فالقرآن لم يقل: «بما فضل الله الرجال على النساء»؛ وإنما قال: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْض﴾، وهي صياغة دقيقة تشير إلى أن لكل طرفٍ جوانبَ فُضِّل بها، وأن التفضيل متعلقٌ بالوظيفة والقدرة، لا بالكرامة الإنسانية.
بل إن القرآن نفسه يبين أن التفضيل لا يعني – بالضرورة – الأفضليةَ عند الله ﷻ؛ وإنما يعني مَنْحَ مزايا أو إمكاناتٍ أو تكاليفَ معينة. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾ [البقرة: 47].
فهل كان بنو إسرائيل أفضل الناس عند الله على الإطلاق؟ الجواب: لا. لقد فضلهم الله بما آتاهم من النبوات، والكتب، والآيات، والنعم؛ لكنهم لَمَّا لم يؤدوا حق هذا التفضيل ذمهم القرآن في مواضع كثيرة، فقال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه﴾، وقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل﴾. فالتفضيل كان عطاءً وتكليفًا، لا شهادةً دائمةً بالأفضلية.
ومن هنا نفهم أن الإنسان لا يصبح أفضل لمجرد أنه فُضِّل بشيء؛ وإنما يصبح أهلًا لهذا التفضيل إذا قام بحقه. فالطبيبُ مُفضَّلٌ بعلمٍ ليس عند غيره، فإن استعمله في خدمة الناس استحق هذا الفضل، وإن استعمله في الإضرار بهم صار علمه حجةً عليه. والغنيُّ مُفضَّلٌ بالمال، فإن أنفقه في الخير كان فضلًا له، وإن بخل أو طغى كان المال سببًا في مؤاخذته.
وكذلك الرجل؛ فقد فُضِّل في بعض الجوانب التي تعينه على حمل مسؤولية الأسرة؛ كالقوة البدنية، والقدرة على الكسب، وتحمل أعباء النفقة، فكان هذا التفضيل سببًا لتكليفه بالقوامة، لا سببًا لإعطائه سلطةً مطلقة. ولذلك خُتمت الآية بذكر النفقة: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، وكأنها تربط القوامة بالواجبات قبل الحقوق، وبالبذل قبل الامتياز.
ولو قال رجل: “لماذا حمّلني الله مسؤولية الإنفاق، ورعاية الأسرة، والسعي في مصالحها؟”؛ فالجواب في الآية نفسها: لأن الله أعطاك من المقومات ما يجعلك قادرًا على أداء هذه المهمة، فكانت تلك النعم سببًا للتكليف، لا وسامًا للتفاخر.
ومن المؤسف – كما قلتُ مُفتَتَحَ المنشور – أن هذا المفهوم قد شُوِّهَ عند كثيرٍ من الناس، حتى صار بعضهم يظن أن القوامة تعني أن المرأة من ممتلكات الرجل وأشيائه، وأن له أن يَفرض عليها ما يشاء، مع أن القرآن يحمّل الرجل مسؤوليةً مضاعَفةً تِجاه زوجته وأسرته، ولا يمنحه “صَكًّا” للهيمنة عليها.
فكلما ازداد الإنسان فضلًا في القدرة أو المال أو العلم أو القوة؛ ازدادت مسؤوليته أمام الله. وهذه سنة قرآنية عامة: النعم تُوجب الواجبات، والتفضيل يُحمِّل المسؤوليات، ولا يصنع الأفضلية إلا إذا قام صاحبه بحق ما فُضِّل به. فمن أحسن في ما آتاه الله كان أهلًا لذلك الفضل، ومن أساء كان ما فُضِّل به حجةً عليه لا له.
