بعد أكثر من عقد من الزمن على انطلاق شرارة الصراع، وصل المواطن إلى قناعة راسخة تتجاوز كل التبريرات السياسية؛ فالواقع المعاش لم يعد يحتمل التجميل، والمسافة الفاصلة بين المواطن المطحون وبين النخب الحاكمة اتسعت حتى أصبحت هوة سحيقة.

 لم يعد الشعب يبحث عن تصريحات دبلوماسية من الفنادق أو العواصم الخارجية، بل بات يواجه الحقيقة العارية: البلاد تحولت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بينما تُدار شؤونه بواسطة “سلطة غائبة” تفتقر لأدنى مقومات الارتباط بالأرض والإنسان.

“شرعية الفنادق” مقابل واقع الشارع المرير:

في دهاليز القانون الدولي والقرارات الأممية تُعرَّف السلطة القائمة بأنها “الشرعية” المستندة إلى اعتراف عواصم العالم والمنظمات الدولية و”مرجعيات”  سياسية قديمة تم تجاوزها عملياً على الأرض.

لكن في وعي المواطن الذي يعاني من انقطاع التيار الكهربائي في صيف خانق وينتظر راتباً ضئيلاً لا يصل ويراقب انهياراً تاريخياً لعملته الوطنية، فإن هذه الشرعية لم تعد سوى “حبر على ورق” .

الشرعية الحقيقية في العلوم السياسية والاجتماعية تُكتسب من الداخل، تُولد من صندوق الاقتراع وتتغذى من قدرة الدولة على بسط الأمن وتوفير الخدمات وصون كرامة المواطن.

 أما عندما تختار حكومة بكامل مفاصلها الإقامة الدائمة في الخارج وتخشى العودة إلى البلاد خوفاً من الغضب الشعبي العارم، فإنها تسقط أخلاقياً وعملياً.

يرى الشارع أن استمرار اعتراف الجيران والمجتمع الدولي بهذه التركيبة السياسية الفاشلة لا ينبع من الرغبة في إنقاذ البلد، بل للحفاظ على مصالح تلك الدول الخارجية وحماية أمنها الإقليمي عبر واجهة شكلية بمسمى “شرعية” .

سقوط المرجعيات وشماعات الحرب:

لسنوات طويلة جرى حشد الآلاف وتبرير المعارك العبثية تحت عناوين فضفاضة وشعارات براقة؛ تارة باسم “محاربة المد الإيراني” وصد التمدد الفكري والسياسي لطهران، وتارة أخرى تحت لافتات “الدفاع عن الدين والعرض والهوية”.

اليوم يدرك المواطن أن هذه الشعارات لم تكن سوى “شماعات كاذبة” ووسائل للتعبئة الأيديولوجية والتكسب السياسي.. فالنتيجة على الأرض لم تكن دحر النفوذ الإقليمي، بل تفتيت ما تبقى من مؤسسات الدولة وتشتيت الجيش والأمن، وتحول المدن المستقرة نسبياً إلى مسارح للفوضى والاغتيالات التي تطال حتى الكلمة الحرة، وكان آخرها الجريمة الغادرة التي أودت بحياة الصحفي محمد عيضة في المكلا.

لقد اكتشف الشعب أن الخطر الحقيقي لا يقتصر على مشاريع التمدد الخارجي فحسب، بل يمتد إلى سلطة الفساد والمحاصصة الحزبية وتجار الحروب الذين يتربحون من استمرار هذا الشتات والتمزق.

ميدان تصفية الحسابات:

تُجمع القراءات الشعبية اليوم على أن جذر الأزمة في اليمن لم يعد محلياً صرفاً بل تداخلت فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية التي وجدت في الجغرافيا اليمنية ميداناً مثالياً لتصفية حساباتها السياسية والعسكرية بالوكالة.

 هذا التقاطع والنفوذ الخارجي هو الذي يمنع التوصل إلى حل حقيقي مستدام يضع حداً لمعاناة المواطن، ويحقق لشعب الجنوب تقرير مصيره، وهو ذاته الذي يمنح الغطاء القانوني والمالي لعصابات الفساد للاستمرار في مناصبها دون خوف من محاسبة شعبية.

الشعب يبعث برسالة واضحة:

 لا توجد شرعية حقيقية بعد اثني عشر عاماً من الضياع والبلاد مفلوتة بلا خدمات وبلا أمن وبلا اقتصاد ولن تنقذها الاعترافات الخارجية.

إن الخلاص لهذا البلد المنكوب يبدأ من إنهاء التبعية للخارج ورفع اليد عنه، والالتفات إلى معاناة المواطن في الداخل، وصياغة مشروع وطني حقيقي يمنح شعب الجنوب حقه في استعادة استقلاله وتقرير مصيره، ويضع الأولوية لحاجة الإنسان البسيط في اليمن والجنوب إلى الأمن والاستقرار والعيش الكريم .