في كل مرحلة من مراحل الصراع السياسي تبرز محاولات منظمة لإعادة تشكيل الوعي العام عبر حملات إعلامية تستهدف الأشخاص والكيانات المؤثرة، غير أن المشكلة التي تواجه أصحاب هذه الحملات تكمن في أن الوقائع على الأرض تبقى أكثر صلابة من الروايات المصنوعة، وأن ذاكرة الشعوب لا تُمحى بسهولة مهما ارتفع ضجيج المنابر وتعددت أدوات الاستهداف.
ومن يتابع حجم الهجوم المستمر على المجلس الانتقالي الجنوبي يدرك أن القضية تجاوزت حدود النقد السياسي الطبيعي إلى محاولات منهجية للتقليل من دوره وحضوره الشعبي والسياسي. غير أن ما يصطدم به خصوم الانتقالي هو وجود رصيد من الوقائع والتضحيات لا يمكن القفز فوقه أو شطبه من الذاكرة الجمعية للجنوبيين.
لقد كانت القوات الجنوبية في مقدمة المواجهات العسكرية والأمنية خلال سنوات عصيبة شهدت تمدد الحوثيين وتصاعد خطر التنظيمات الإرهابية، وقدمت في تلك المعارك آلاف الشهداء والجرحى دفاعاً عن الأرض والإنسان، وأسهمت في تثبيت الأمن والاستقرار في مناطق واسعة من الجنوب العربي في ظروف كانت من الأصعب في تاريخ المنطقة الحديث.
كما أن الحضور السياسي للرئيس عيدروس الزبيدي لم يتشكل عبر الحملات الدعائية أو غرف العلاقات العامة، بل عبر مسار طويل من العمل السياسي والميداني المرتبط بالقضية الجنوبية. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يصبح هدفاً دائماً لحملات التشويه والاستهداف من قبل خصوم المشروع الجنوبي، الذين يدركون أن استهداف الرموز السياسية يمثل أحد مسارات استهداف القضايا التي يحملونها.
لكن التجارب السياسية عبر التاريخ تؤكد أن الحملات الإعلامية مهما بلغت قوتها لا تستطيع تغيير الحقائق الراسخة ولا تبديل قناعات الشعوب التي تشكلت عبر سنوات من التجربة والمعاناة والتضحيات. فالتاريخ لا يكتبه الصخب الإعلامي، بل تكتبه الوقائع والأحداث التي تترك أثرها في حياة الناس وذاكرتهم.
والقضية الجنوبية لم تحافظ على حضورها طوال هذه العقود لأنها كانت موضوعاً لحملة إعلامية أو خطاب سياسي عابر، وإنما لأنها قضية شعب يتمسك بهويته الوطنية وحقه في تقرير مستقبله. ولهذا بقيت حية رغم الحروب والتقلبات السياسية ومحاولات الإقصاء والتشويه.
إن الرهان على إضعاف القضايا الكبرى عبر استهداف رموزها أو التشكيك في تضحيات حامليها أثبت فشله مراراً. فالقضايا التي تستند إلى قاعدة شعبية واسعة وإلى شعور عميق بالهوية والحقوق لا تنتهي بحملة إعلامية، ولا تتراجع أمام موجات التشويه، بل تستمد قدرتها على البقاء من إيمان الناس بها وتمسكهم بأهدافها.
وفي النهاية، تبقى إرادة الشعوب أقوى من الحملات العابرة، ويبقى التاريخ شاهداً على أن القضايا التي تنبع من وجدان الناس تستمر وتتجدد مهما اشتدت الضغوط وتعددت محاولات استهدافها.
*- بقلم: محرر شبوة برس
#شبوة_برس، #رأي، #المجلس_الانتقالي_الجنوبي، #عيدروس_الزبيدي، #القضية_الجنوبية، #الجنوب_العربي
