(وجهة نظر)
تثبت شواهد التاريخ السياسي أن القضايا المصيرية للشعوب لا ترتبط بفرد ولا تسقط بعقوبات دولية، بل تعتمد ديمومتها على مرونة الحوامل السياسية وقدرتها على إعادة التموضع الذكي عند المنعطفات الحرجة.
وفي تفاصيل المشهد الجنوبي اليوم يجد المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه أمام لحظة فارقة تستدعي قراءة فاحصة للتاريخ، وتحديداً التجربة التركية الرائدة في الانتقال من ضيق الحظر والتعقب القضائي إلى رحابة قيادة السلطة وصياغة المستقبل.
في نهاية التسعينيات واجهت الحركة السياسية المحافظة في تركيا بزعامة نجم الدين أربكان جداراً قانونياً صلباً بحظر حزبي “الرفاه” ثم “الفضيلة”، وسجن أربكان وإقصائه سياسياً.
اعتقدت النخبة الحاكمة آنذاك أن الحركة دُفنت للأبد.. لكن العبقرية السياسية للجيل الشاب (أردوغان وغول) تجلت في إدراكهم أن مواصلة الصدام بنفس الأدوات والخطاب القديم انتحار سياسي.
لم يتخلَّ هؤلاء عن جوهر قضيتهم بل قاموا بتغيير الجلد السياسي وتأسيس حزب “العدالة والتنمية” كحزب ديمقراطي محافظ يتوافق مع الدستور والقوانين، كما دفعوا بوجوه شابة مرنة تجيد لغة المصالح والتنمية، مما نزع من خصومهم أي ذريعة لإقصائهم ووصلوا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.
بالإسقاط على المشهد الجنوبي تبرز حقيقة موضوعية: إن قضية الجنوب هي قضية شعب وتاريخ وهوية، وليست مجرد ملف مرتبط بشخص رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي. وبالتالي فإن الملاحقات القضائية الأخيرة أو العقوبات ضد القيادات لا تعني موت القضية أو غياب تطلعات الشارع.
ومع ذلك فإن الخطر الحقيقي لا يأتي من الخصوم بل من جمود الحامل السياسي وعجزه عن مجاراة التحولات العميقة في الملف اليمني والإقليمي.
إن الاستمرار بذات العقلية الأحادية والخطاب الصدامي في مرحلة يبحث فيها المجتمع الدولي عن تسوية سياسية شاملة، سيعزل المجلس ويضعه في خانة “المعرقل” بدلاً من “الشريك”.
والبقاء في سياق الفعل السياسي يتطلب من المجلس الانتقالي تطبيق “النموذج التركي” في التجدد والالتفاف الإستراتيجي ،وتعد هذه الهيكلة بمثابة ضرورة ملحة لثلاثة أسباب:
– أولاً- تجديد الشرعية الداخلية عبر الشراكة الحقيقية؛ فالجنوب يتسع لكل أبنائه والانفراد بالقرار يضعف الموقف الجنوبي أمام أي استحقاقات قادمة.
– ثانياً- الاستعداد لمؤتمر الحوار الجنوبي الشامل ،حيث يجب أن يدخله الانتقالي كقوة سياسية مؤسسية مرنة وجامعة لضمان عدم بقائه خارج السياق.
– ثالثاً- الانتقال من سلطة الأفراد والقادة العسكريين إلى سلطة المؤسسات والدوائر السياسية والدبلوماسية المؤهلة القادرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة المصالح المشتركة وتأمين الممرات المائية.
إن التاريخ لا يرحم الكيانات التي تصاب بالجمود.. وكما انبعث حزب أربكان من رماد الحظر ليصبح القوة الأولى في تركيا بفضل المرونة والشجاعة في التغيير فإن على القوى الحية في الجنوب وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، أن تدرك أن الحفاظ على عدالة القضية يتطلب شجاعة فائقة في نقد الذات وبناء مؤسسة سياسية صلبة، مرنة، وجامعة، قادرة على العبور بالجنوب نحو آفاق المستقبل دون أن تفقد جوهرها.
