لا يمكن لقراءة التاريخ المنصفة إلا أن تقف مذهولة أمام حجم الجحود ونكران الجميل الذي أظهره اللواء محمود الصبيحي تجاه شعب الجنوب الأبي، مفضلاً المصلحة الشخصية والعودة إلى مربعات الخنوع على الوفاء لدماء الشهداء وتضحيات الأبطال، وهو ما وثّقته تغريدة العقيد شاخوف حضرموت عبدالله الديني ورصدها محرر شبوة برس.

تاريخ أسود في ردفان عام 2008 وتلطخ الأيادي بدماء الجنوبيين

لم يكن الصبيحي يوماً بمنأى عن معاناة الجنوبيين، بل كان أداة طيعة بيد نظام عفاش القمعي؛ فحينما انتفض الحراك الجنوبي السلمي مطالباً بحقوقه، تولى الصبيحي حصار مدينة ردفان الباسلة عام 2008. وبأوامر مباشرة من صنعاء، واجهت قواته أبناء الجنوب بالنار والحديد، وسقط حينها شهداء وجرحى تلطخت بدمائهم يد الحملات العسكرية التي قادها ضد أبناء الجنوب.

نبل الجنوب في مقابل خسة المواقف ونكران الجميل

رغم تلك الجراح الدامية، أثبت شعب الجنوب وقيادته أنه أسمى من منطق الانتقام وتصفية الحسابات الضيقة:

في معركة عدن تم احتضان الصبيحي واعتباره شريكاً في معركة المصير المشترك ضد التمدد الحوثي وقوات الشمال عند اجتياحهم للعاصمة عدن.

عندما وقع الصبيحي أسيراً وتخلت عنه ما تسمى بالشرعية الإخوانية تاركةً إياه لمواجهة مصيره، لم يتركه الجنوب؛ بل تحركت القيادات الجنوبية بكل ثقلها السياسي والعسكري، وتم افتداؤه في صفقة ضخمة بأكثر من 200 من قيادات الحوثي، في موقف يجسد قمة الوفاء وشهامة الجنوبيين حتى مع من أساء لهم وقتل أبناءهم في الماضي.

السقوط المدوي والارتماء في أحضان الجلاد

يقول العقيد عبدالله الديني في مضمون تغريدته إن سنوات الأسر العجاف لم تُعلّم الرجل شيئاً، ولم تحرك في ضميره كرامة الوفاء للدماء التي سُفكت من أجل حريته، فالوفاء الحقيقي يُعرف وقت المواقف لا وقت المصالح والتاريخ والشعوب لا تنسى.

إن العودة المخزية للصبيحي اليوم إلى مربع الصمت، والارتماء مجدداً في أحضان القوى اليمنية الشمالية نفسها التي حاصرت الجنوب وقتلت أبناءه ودمرت مدنه ومقدراته، تمثل سقطة تاريخية وأخلاقية كبرى تتلخص في الآتي:

تحقير للتضحيات واستخفاف علني بمئات الأسرى والشهداء الذين بذل الجنوبيون الغالي والنفيس لإنقاذه وإعادته حراً.

خيانة قضية الاستقلال عبر البيع الرخيص لآمال شعب الجنوب العربي وقضيته العادلة في استعادة دولته، من أجل حسابات ومصالح ضيقة تحت أقدام القوى التي استباحت الجنوب.

إن الشعوب الحية لا تنسى من وقف معها ومن تخلى عنها، والتاريخ يسجل المواقف بمداد من نور أو بصفحات من خزي. وسيبقى الجنوب شامخاً برجاله الأوفياء وقضيته التحريرية، بينما تذهب المواقف المتخاذلة والمتلونة إلى مزبلة التاريخ.