لم يعد يمر يوم في المحافظات الجنوبية إلا ويترك خلفه ندبة عميقة في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. الأيام هنا لا تمر بسلام، بل “تتكسر” بعنف على عتبات أزمات خانقة، وتحت وطأة واقع معيشي مرير بات أشبه بحرب إبادة جماعية للقدرة على البقاء. هذا التكسر ليس نتاج ظروف طبيعية، بل هو ثمرة “عبث ممنهج” تديره سلطة غائبة، أو بالأصح، مغيبة تعمداً عن القيام بواجباتها.

أسعار وقود فلكية.. إعدام جماعي للحركة والعيش:

في مشهد سريالي يعكس حجم الكارثة، قفزت أسعار المشتقات النفطية إلى مستويات خيالية تفوق القدرة البشرية على الاحتمال. لقد وصل سعر صفيحة البترول (20 لتراً) إلى 35 ألف ريال، بينما قفز الديزل ــ عصب الحياة والخدمات ــ إلى 44 ألف ريال للصفيحة الواحدة!

هذه الأرقام الفلكية ليست مجرد أرقام تُقرأ في النشرات؛ إنها حكم بالإعدام الفعلي على حركة التنقل، وضربة قاضية في خاصرة قطاع النقل والمواصلات، وشلل تام لقطاعات الزراعة والصيد، فضلاً عن كونها المبرر الأساسي الذي يتذرع به التجار لرفع أسعار المواد الغذائية والأساسية إلى مستويات جنونية تفوق الخيال.

شركة النفط وغياب السلطة.. تواطؤ أم غيبوبة متعمدة؟

خلف هذا الارتفاع الجنوني، يقف السؤال الأكثر إلحاحاً وحرقة: أين هي شركة النفط؟ وأين هي السلطة المحلية والرقابة على الأسواق؟

الواقع يجيب بوضوح: هناك غياب تام ومتعمد لمراقبة الأسواق. لقد تحولت الأسواق والوقود إلى مساحات مفتوحة للاحتكار، وجشع الهوامير، والمضاربة بالأسعار دون أي وازع أو رادع قانوني.

إن صمت شركة النفط وتخليها الكامل عن دورها التنظيمي والرقابي لم يعد يُفسر على أنه “عجز”، بل بات ينظر إليه الشارع كـ “تواطؤ صريح” وغطاء يُمنح للفاسدين لتجريف جيوب المواطنين، وتركهم فريسة لسوق سوداء شرعنتها السلطة الرسمية بتقاعسها.

طحن الطبقات الفقيرة واستشراء الفساد:

مع هذا الغياب الرقابي المريب، تلاشت تماماً القيمة الشرائية للرواتب الزهيدة التي لم تعد تكفي لشراء دبة بترول واحدة لتسيير الحد الأدنى من شؤون الحياة. 

لقد تحول الفساد وغياب المساءلة إلى منظومة متكاملة تدار باحترافية لتوليد الأزمات والتربح من وراء معاناة الناس. الموارد تتبدد، وخدمة الكهرباء منهارة تماماً وسط صيف لاهب، بينما يتفرج المسؤولون من مكاتبهم المكيفة على شعب يطحنه الغلاء وتلتهمه طوابير المعاناة اليومية.

عندما ينفد الصبر وتتحطم الأيام:

عندما تتكسر الأيام في الجنوب، فإنها تكسر معها ما تبقى من كرامة العيش والقدرة على الاحتمال.

 إن استمرار هذا الصمت والتجاهل المتعمد لارتفاع الأسعار الجنوني وغياب الرقابة هو بمثابة اللعب بالنار.

المواطن الذي صمد لسنوات أمام شتى أنواع الحروب والأزمات، يجد نفسه اليوم أمام مؤامرة واضحة تستهدف لقمة عيشه وقوت أطفاله.

 إن بناء ما تكسر من أيام الجنوب لن يمر عبر الحلول الترقيعية أو الوعود التخديرية ،بل يبدأ باقتلاع جذور الفساد، وإعادة الاعتبار للرقابة والمحاسبة الفورية لكل من تسول له نفسه العبث بقوت الناس وخدماتهم الأساسية قبل أن ينفد الصبر، وعندها لن تنفع التبريرات.