تشهد مدينة عدن اليوم واحدة من أصعب مراحلها الخدمية والمعيشية، في ظل أزمات متواصلة تتعلق بالمياه والكهرباء وارتفاع تكاليف الحياة، وسط تساؤلات متزايدة حول غياب الحراك الشعبي والحقوقي الذي كان حاضرًا بقوة خلال فترات سابقة.

ففي سنوات مضت، شهدت المدينة مظاهرات ووقفات احتجاجية واسعة ركزت على قضايا المياه والكهرباء، وحرص منظموها على إيصال رسائلهم للرأي العام المحلي والدولي من خلال شعارات ورموز تعكس حجم المعاناة التي كان يعيشها المواطنون. وكانت تلك التحركات تحظى بتغطية واسعة وحضور لافت من ناشطين وناشطات ومنظمات وشخصيات مجتمعية مختلفة.

أما اليوم، ورغم تفاقم الأزمات واتساع نطاق المعاناة، يلاحظ كثير من أبناء عدن تراجعًا كبيرًا في حجم التحركات الميدانية والفعاليات الاحتجاجية، في وقت ارتفعت فيه أسعار المياه بشكل كبير، وأصبح كثير من المواطنين يعتمدون على حلول مكلفة لتوفير الكهرباء، بينما يضطر آخرون للبحث عن مصادر بديلة للمياه في ظل الظروف الصعبة.

ويرى مراقبون أن المشهد الحالي يطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب، خصوصًا أن معاناة السكان أصبحت أكثر وضوحًا وتأثيرًا على الحياة اليومية. كما يلفتون إلى أن الشكوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أهميتها، لا يمكن أن تحل محل التحركات المدنية المنظمة القادرة على إيصال صوت المواطنين إلى الجهات المعنية والرأي العام.

وتزداد معاناة الأسر مع موجات الحر الشديدة والانقطاعات المتكررة للكهرباء، إضافة إلى الأعباء الاقتصادية التي تثقل كاهل المواطنين، ما يجعل الحاجة ملحة إلى حلول حقيقية ومستدامة تعالج جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء بإدارة تداعياتها.

ويؤكد كثير من أبناء المدينة أن عدن تمتلك تاريخًا طويلًا من النشاط المجتمعي والحراك المدني، وأن قدرتها على التعبير عن مطالبها لم تتلاشَ، لكنها تحتاج إلى مبادرات مسؤولة توحد الجهود وتضع مصلحة المواطنين فوق أي اعتبارات أخرى.

وفي ظل استمرار الأوضاع الراهنة، تبقى الأسئلة مطروحة حول مستقبل المدينة، ومدى قدرة القوى السياسية والمجتمعية على الاستجابة لمعاناة السكان، وإيجاد حلول تنهي أزمات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية التي باتت تمس حياة الجميع بشكل مباشر.

عدن اليوم لا تحتاج إلى تبادل الاتهامات بقدر حاجتها إلى إرادة حقيقية تعيد الخدمات وتحفظ كرامة المواطن، وتمنح سكانها الأمل بأن هذه المدينة العريقة قادرة على تجاوز أزماتها واستعادة دورها ومكانتها التي تستحقها.