*- شبوة برس – خاص

تشهد العاصمة عدن أزمة خانقة في إمدادات الغاز المنزلي وغاز السيارات، في وقت تتزايد فيه معاناة المواطنين مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتدهور مستوى الخدمات الأساسية. ولم تعد أزمة الغاز مجرد مشكلة تموينية عابرة، بعدما انعكست مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية، من إعداد الطعام داخل المنازل إلى حركة سيارات الأجرة والمواطنين.

وتضع هذه الأزمة سكان عدن أمام خيارات قاسية؛ فغياب الغاز المنزلي يدفع الأسر إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة ومشقة، بينما يؤدي نقص غاز السيارات إلى تعطيل حركة النقل ورفع أعباء المواصلات. وفي مدينة تعاني أصلًا من أزمات الكهرباء والمياه والرواتب والأسعار، تتحول أزمة جديدة في مادة أساسية إلى عبء إضافي يضاعف الضغط على المواطنين.

ويرى مراقبون أن استمرار هذه الأزمات وتزامنها يفرض طرح سؤال سياسي يتجاوز الجانب الخدمي: هل ما يحدث مجرد عجز إداري وتمويني، أم أن الخدمات الأساسية تحولت إلى أدوات ضمن صراع سياسي يستهدف إنهاك المجتمع وإشغاله باحتياجاته اليومية على حساب قضاياه وحقوقه؟

ومن هذا المنظور، يمكن تصنيف حرمان العاصمة الجنوبية من الغاز ضمن ما يمكن تسميته “حرب المعيشة”، وهي حرب لا تستخدم فيها المدافع، وإنما تضرب قدرة الناس على الحياة الطبيعية، وتدفع الأسر إلى دائرة متواصلة من البحث عن الوقود والماء والكهرباء والغذاء. وعندما تتراكم هذه الأزمات، يصبح المواطن منشغلًا بتأمين أبسط متطلبات يومه، بدلًا من التفكير في مستقبله وحقوقه السياسية.

وتزداد خطورة الوضع عندما تطال الأزمة غاز السيارات إلى جانب الغاز المنزلي، لأن التأثير لا يتوقف عند الأسر، بل يمتد إلى قطاع النقل وأصحاب سيارات الأجرة والعاملين الذين يعتمدون على مركباتهم في تأمين دخلهم اليومي. ومع ارتفاع تكلفة التشغيل أو توقف المركبات، يدفع المواطن مرة أخرى فاتورة الأزمة من دخله المحدود.

إن ترك العاصمة عدن، وهي مركز سكاني واقتصادي رئيسي في الجنوب العربي، أمام أزمات متكررة في الخدمات والوقود والغاز، يطرح مسؤولية مباشرة على الجهات التي تتولى إدارة الملف التمويني والخدمي. فالمواطن لا يحتاج إلى بيانات جديدة عن الخطط والإصلاحات بقدر حاجته إلى أسطوانة غاز متاحة بسعر عادل، ووقود منتظم، وكهرباء مستقرة، وخدمات تحفظ له الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

ولا ينبغي التقليل من الأثر النفسي لهذه الأزمات. فالإذلال اليومي الذي يشعر به المواطن عندما يقف ساعات أو أيامًا بحثًا عن أسطوانة غاز، أو يعجز عن تأمين وسيلة نقل بسبب نقص الوقود، لا يقل قسوة عن الأثر الاقتصادي. إنها حالة من القهر والإرهاق المتراكم، تجعل المواطن يشعر بأن أبسط حقوقه في الحياة أصبحت رهينة لأزمة مفتوحة بلا نهاية.

ومن هنا، فإن مواجهة “حرب المعيشة” لا تكون بالخطابات، وإنما بكسر دوامة الأزمة ومعالجة أسبابها بشفافية، وضمان وصول الغاز والمشتقات النفطية إلى المواطنين، ومنع الاحتكار والتلاعب بالحصص، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تعطيل الإمدادات أو استغلال حاجة الناس.

إن شعب الجنوب العربي الذي تحمل سنوات طويلة من الحرب والأزمات لا ينبغي أن يُكافأ بمزيد من القهر والإرهاق. فالخدمات الأساسية ليست منّة من أحد، والغاز المنزلي وغاز السيارات ليسا أدوات سياسية، بل احتياجات يومية تمس حياة الناس وكرامتهم.

وإذا كان هناك من يراهن على أن إنهاك المواطن بأزمات المعيشة سيكسر إرادته أو يدفعه إلى التخلي عن حقوقه السياسية، فإن هذا الرهان يحتاج إلى مراجعة جادة. فالمجتمعات قد تتعب من الأزمات، لكنها لا تنسى بسهولة من جعل حياتها اليومية ساحة للمعاناة.

وتبقى الأولوية اليوم هي حماية المواطن من تحويل لقمة عيشه واحتياجات أسرته إلى أدوات في الصراع السياسي، وإخراج الخدمات من دائرة المناكفات والحسابات السياسية، لأن كرامة الإنسان تبدأ من قدرته على الحصول على أبسط مقومات الحياة دون إذلال أو ابتزاز.