*- شبوة برس – تعليق سياسي

لم تعد الحرب بين الحوثيين وما يسمى بالشرعية اليمنية مجرد صراع عسكري على السلطة في اليمن، بقدر ما تكشف الوقائع عن تخادم سياسي واضح حين يتعلق الأمر بالجنوب. طرفان يتبادلان الخطاب والاتهامات، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة: إبقاء الجنوب أسيرًا لمعادلة سياسية وعسكرية ترفض الاعتراف بحقه في تقرير مصيره.

الحوثيون يريدون إخضاع الجنوب بالقوة المسلحة، والشرعية اليمنية تريد إبقاءه داخل إطار دولة الوحدة بالقوة السياسية والعسكرية. اختلفت الأدوات، لكن الهدف واحد: منع الجنوبيين من استعادة دولتهم.

المفارقة أن الطرفين خاضا سنوات من الحرب، ومع ذلك ظل الجنوب هو الساحة التي يُراد منها دفع الثمن. وعندما احتاجت الشرعية إلى قوات تقاتل الحوثيين، كان الجنوبيون في مقدمة من قاتل وحرر وقدم التضحيات. لكن عندما تحولت المعركة إلى استحقاق سياسي، انقلب الخطاب، وأصبح الجنوب وقواته ومشروعه السياسي مشكلة يجب احتواؤها.

هذه ليست مصادفة سياسية.

فمنذ سنوات، تُستخدم الحرب ذريعة لتأجيل كل استحقاق يخص الجنوب. كلما اقتربت القضية الجنوبية من فرض نفسها على طاولة الحل، عاد التصعيد العسكري إلى الواجهة. وكلما فشلت أدوات الحرب في تحقيق الحسم، جرى البحث عن جولة جديدة، وكأن استمرار الحرب أصبح هدفًا بحد ذاته.

الحوثي يستفيد من استمرار الحرب لأنه يرسخ سلطته في مناطق سيطرته، والشرعية تستفيد منها لأنها تبرر استمرار وجود منظومة سياسية وعسكرية لم تستطع تحقيق هدفها المعلن. وبين هذا وذاك يدفع الجنوب الثمن.

الأخطر أن هناك من يريد تحويل شباب الجنوب إلى وقود دائم لحروب الآخرين. يُطلب من الجنوبي أن يقاتل الحوثي، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يقبل بمنظومة سياسية تعادي حقه في استعادة دولته. يريدون منه أن يقدم الدم، ثم يمنحوه في المقابل المزيد من الوعود المؤجلة.

هذا هو جوهر المأساة.

الجنوب ليس طرفًا تابعًا في حرب شمالية، وليس مخزنًا بشريًا لتعويض عجز الآخرين عن تحقيق أهدافهم. ومن يطالب أبناء الجنوب بالقتال نيابة عن مشروع سياسي يرفض حقوقهم، عليه أولًا أن يجيب عن سؤال بسيط: ماذا سيحصل عليه الجنوبي بعد انتهاء الحرب؟

إذا كانت الإجابة هي العودة إلى الوضع السابق، فذلك يعني أن المطلوب ليس تحرير الجنوب، بل استخدامه.

وإذا كانت الإجابة هي دولة يمنية موحدة بالقوة، فذلك يعني أن الحرب لم تكن دفاعًا عن الجنوب، وإنما محاولة لإعادة إنتاج واقع رفضه الجنوبيون منذ سنوات.

لقد أثبتت التجربة أن الجنوب قادر على حماية أرضه، وأن قواته كانت عنصرًا حاسمًا في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية. لذلك فإن محاولة إضعاف القوات الجنوبية أو تفكيكها أو الزج بها في معارك لا تخدم أمن الجنوب ليست إلا خدمة مجانية لمشروع خصومه.

لا يمكن بناء السلام على أنقاض حقوق شعب كامل.

ولا يمكن إنهاء الحرب بتجاهل القضية التي كانت أحد جذور الصراع.

الحل الحقيقي ليس في جولة عسكرية جديدة، ولا في إعادة تدوير القيادات، ولا في توزيع المناصب، ولا في إرسال المزيد من الشباب إلى الجبهات.

الحل يبدأ بالاعتراف بالحقيقة السياسية: هناك قضية جنوبية، وهناك شعب جنوبي يطالب بحقه في تقرير مستقبله، ولا يمكن دفن هذا الحق تحت ركام الحرب.

أما من يريد استمرار الحرب إلى ما لا نهاية، فليبحث عن وقودها بعيدًا عن الجنوب.

فالجنوب دفع ثمنًا باهظًا، ولم يعد مستعدًا لأن يدفع ثمن صراعات الآخرين ثم يُكافأ بمزيد من الوصاية.