دخلت المواجهة العسكرية الحالية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة حرجة تبرهن على أن حسابات المعارك البرّاقة على الورق تتحطم دائماً أمام صخرة الواقع الميداني المعقد.

 الحرب التي خاضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب تحت الشعار الاستعراضي “الغضب الملحمي”، بدت مدفوعة بـ”غطرسة القوة” والثقة المفرطة في التفوق التكنولوجي والجوي الأمريكي.

غير أن هذه الغطرسة قادت واشنطن إلى التورط في حرب استنزاف طاحنة لا يمكن التكهن بنهايتها ،وباتت تهدد الأمن الاستراتيجي للخليج العربي في الصميم.

أبرز الأدلة على هذا الانسداد هو التحذير الصريح والسري الذي وجهه رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال “دان كين”   لكبار مستشاري ترامب بضرورة البحث العاجل عن “مخرج سريع” لإنهاء الحرب مع إيران.

يمثل هذا الموقف اعترافاً عسكرياً بالفشل في كسر إرادة الخصم عبر القصف الجوي والبحري فقط؛ حيث تواجه القيادة المركزية تآكلاً حاداً وغير مسبوق في مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية الحيوية كـ”باتريوت” و”ثاد”، والتي استُنزفت بفعل الكثافة النارية للمسيرات والصواريخ الإيرانية، مع تخطي فاتورة الحرب حاجز الـ 37 مليار دولار كما يقال .

في المقابل تعكس العقلية السياسية لترامب مظهرين خطيرين:

الأول – هو الاعتقاد الساذج بأن العقوبات وسلاح الجو كفيلان بتركيع طهران.

 والثاني – هو محاولته الالتفاف على مأزق قواته عبر استدعاء مقارباته التجارية القديمة، ومحاولة إقحام دول الخليج العربي مباشرة في أتون هذه المواجهة؛ حيث يسعى لتخفيف الضغط العسكري والمالي عن قواته المستنزفة بطلب الدعم المالي المباشر والكاش، متناسياً أن أمن الدول واستقرار الشعوب لا يمكن إدارته بعقلية “الشركات الأمنية الخاصة”.

هذه السياسة المتهورة وضعت الأمن الاستراتيجي لدول الخليج أمام أكبر وأخطر تهديد في العصر الحديث.. فبينما تقبع القوات الأمريكية خلف منظومات دفاعية متطورة أو تفكر في الانسحاب والمناورة، تجد دول المنطقة نفسها في خط النار الأول جغرافياً وعسكرياً، وتصبح البنية التحتية الحيوية من محطات تحلية المياه ومصافي النفط ومنشآت الطاقة خاضعة لتهديد مباشر وقائم.

تثبت حرب الاستنزاف الحالية أن غطرسة القوة وتجاهل حسابات الجغرافيا يقودان حتماً إلى فخاخ مكلفة، وأن نداء الاستغاثة الذي أطلقه الجنرال دان كين يجب أن يكون جرس إنذار حقيقي للتأكيد على أن الأمن الإقليمي لا يمكن رهنه للتقلبات السياسية في البيت الأبيض.