*- شبوة برس – خاص (محرر شبوة برس)
تقدم تجارب الشعوب الحية دروسًا لا تقدر بثمن، خصوصًا للشعوب التي تخوض نضالًا من أجل حريتها وحقها في تقرير مستقبلها. ومن أبرز تلك الدروس تجربة الثورة الفيتنامية، التي لم تكن قوتها في السلاح وحده، بل في الانضباط والسلوك والبساطة والقدرة على الحفاظ على نظافة المبدأ حتى في أصعب الظروف.
وتروي التجربة الفيتنامية أن وفد المفاوضات الذي وصل إلى باريس لم يسمح للترف أن يغير نمط حياته، ورفض الإقامة الفاخرة واختار العيش في منزل طالب فيتنامي بسيط. لم يكن ذلك استعراضًا إعلاميًا، بل تعبيرًا عن قناعة بأن من عاش بين الناس وقاتل من أجلهم لا ينبغي أن ينفصل عن حياتهم بمجرد أن تتغير الظروف.
وهنا تكمن قيمة الدرس الذي ينبغي أن يتوقف أمامه ثوار الجنوب العربي ورجال المجلس الانتقالي الجنوبي؛ فالنضال الوطني لا ينتهي بمجرد الوصول إلى مواقع المسؤولية، بل تبدأ عندها مرحلة أصعب، وهي المحافظة على المبادئ التي من أجلها بدأ النضال.
الثائر الحقيقي هو الذي لا يسمح للمنصب أو المال أو المظاهر أو الامتيازات أن تفصله عن الناس. وكلما اقترب المسؤول من حياة المواطنين البسطاء، وفهم معاناتهم وشاركهم ظروفهم، ازدادت قدرته على إدراك حقيقة ما يجري في المجتمع، أما العيش خلف الحواجز وفي عالم من الترف والامتيازات فيخلق مسافة خطيرة بين القيادة والناس.
إن التقشف ليس فقرًا، والبساطة ليست ضعفًا، والابتعاد عن المظاهر ليس نقصًا في المكانة. بل هي في مراحل النضال الوطني رسالة أخلاقية تؤكد أن المسؤول لا يرى نفسه فوق المجتمع الذي يناضل من أجله.
والجنوب العربي اليوم بحاجة إلى قيادات تظل قريبة من الناس، تعيش همومهم، تسمع أصواتهم، وتشاركهم أفراحهم وأحزانهم، لا إلى قيادات تنشأ بينها وبين المجتمع طبقة من المظاهر والامتيازات التي قد تضعف الإحساس بالمسؤولية وتفتح الطريق أمام التنازل التدريجي عن المبادئ.
كما أن الاندماج في المجتمع يحمي الحركة الوطنية من التحول إلى طبقة سياسية مغلقة. فالقيادة التي تستمد قوتها من الشارع يجب أن تبقى جزءًا منه، وأن تحافظ على علاقتها بالمواطن البسيط، لأن شرعية أي مشروع وطني لا تُقاس بما يملكه قادته من سيارات ومنازل ومظاهر، وإنما بمدى وفائهم للقضية التي حملوا رايتها.
والتجارب التاريخية تؤكد أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي ثورة هو أن تتحول امتيازات النضال إلى امتيازات شخصية، وأن يصبح الوصول إلى السلطة وسيلة للعيش بعيدًا عن الناس بدل أن يكون مسؤولية لخدمتهم.
ومن هنا فإن الرسالة الأهم لثوار الجنوب العربي ورجال المجلس الانتقالي ليست أن يعيشوا الفقر من أجل الفقر، وإنما أن يحافظوا على سلوك وطني نظيف، وأن يضعوا المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية، وأن يتجنبوا الترف المبالغ فيه، وأن يبقوا قريبين من المجتمع الذي خرجوا منه.
فالقضية الجنوبية لن يحميها الخطاب وحده، ولن تصونها الشعارات، وإنما يحميها قبل كل شيء سلوك رجالها عندما تتاح لهم السلطة والمال والنفوذ.
الثورة النظيفة تحتاج إلى رجال نظيفين، والقيادة التي تريد كسب ثقة شعبها يجب أن تكون أول من يقدم نموذجًا في النزاهة والبساطة والانضباط.
إن أعظم ما يمكن أن يتعلمه الجيل السياسي الجنوبي من تجارب الشعوب هو أن الانتصار لا يعني فقط تحقيق الهدف السياسي، بل يعني أيضًا الحفاظ على القيم التي جعلت الناس يؤمنون بالقضية منذ البداية.
فلا تجعلوا السلطة تفصلكم عن الناس، ولا تجعلوا الرفاهية تنسيكم سنوات المعاناة، ولا تجعلوا المال يشتري ما عجز الخصوم عن انتزاعه بالقوة.
ومن ينسى الناس بعد أن يصل إلى موقع المسؤولية، قد يخسر أهم رصيد لأي قضية وطنية: ثقة الشعب.
الثورة والترف لا يجتمعان، والسلطة بلا أخلاق تتحول إلى عبء على القضية، أما القائد الذي يبقى قريبًا من شعبه، بسيطًا في حياته، نزيهًا في سلوكه، ثابتًا على مبدئه، فهو الذي يحفظ للقضية كرامتها ويمنحها فرصة حقيقية للانتصار.
ا
