في منعطف تاريخي بالغ التعقيد يمر الجنوب العربي باختبار حقيقي لوعيه السياسي وتماسكه الاجتماعي.. ومع بروز قضايا مجتمعية وحقوقية عادلة ومؤلمة—وفي مقدمتها قضية اختفاء المقدم علي عشال الجعدني—تحركت خلف الستار مطابخ سياسية وجهات مشبوهة لم يكن دافعها يوماً إرساء العدالة أو نصرة المظلوم بل اتخاذ هذه المعاناة الإنسانية مطية لإشعال نار الفتنة وخلط الأوراق السياسية والعسكرية في المحافظات الجنوبية.
إن محاولات إذكاء النعرات المناطقية واستدعاء صراعات الماضي تمثل سلوكاً انتهازياً يعتقد صانعوه أنهم قادرون على تفكيك النسيج الاجتماعي الجنوبي.. غير أن هذا الرهان يسقط أمام حقيقة ثابتة: لقد تجاوز الجنوبيون مرارات الماضي عبر قيم التصالح والتسامح التي باتت عقيدة مجتمعية راسخة لا تراجع عنها.
والأهم من ذلك أن المراهنة على المال السياسي و”شراء الولاءات لتدجين العقول” هي مراهنة خاسرة بامتياز. قد تنجح هذه الأموال المدفوعة من وراء الستار في استقطاب بضعة أفراد لا يمثلون إلا أنفسهم، لكنها لن تتمكن أبداً من كسر كبرياء شعب روت دماء شهدائه تراب الأرض بحثاً عن الحرية والكرامة.. العقلية الجمعية في الجنوب أثبتت في كل المحطات أنها عصية على الاختراق والتبعية.
لذا وجب إطلاق تحذير شديد اللهجة: إن إشعال الفتنة واللعب بالنار في الجنوب لن يظل محصوراً في رقعة جغرافية معينة، بل ستحرق ناره أولئك الذين يحركون أدواتهم الخبيثة من خلف الستار.
إن استقرار الجنوب واستعادة استقلاله هو صمام أمان لاستقرار المنطقة والإقليم برمتها وأي محاولة للعبث بهذا الاستقرار ستبدد أوهام من يعتقد أنه بمنأى عن التداعيات.
إن الرد الحاسم على هذه المؤامرات يتطلب مسارين لا ينفصلان:
أمنياً وقضائياً: الإسراع في كشف مصير المقدم عشال وتطبيق العدالة الصارمة بحق الجناة دون مواربة لقطع الطريق أمام المتربصين بالجنوب.
شعبياً ونخبوياً: رفع منسوب الحذر والوعي والالتفاف حول المصلحة العليا للجنوب، ورفض الانجرار خلف الشعارات المناطقية الموجهة.
الجنوب اليوم يقف على أرضية صلبة من الوعي والتضحية، والذين يعتقدون أنهم قادرون على توجيه دفتّه عبر أدوات رخيصة سيكتشفون قريباً أنهم يزرعون الريح ولن يحصدوا سوى العاصفة.
