*- شبوة برس خاص
في زمن تتسع فيه رقعة الفقر والمرض والنزوح، يصبح استغلال الدين لتحقيق مكاسب شخصية من أبشع صور الخيانة للأمانة. فليس أخطر على المجتمعات من رجال يتحدثون باسم الدين، بينما يجعلون منه وسيلة لبناء النفوذ وجمع الأموال، فيختلط الوعظ بالحسابات البنكية، وتضيع الحدود بين العبادة والتجارة.
المشكلة ليست في الدعوة إلى الأخلاق، فالدين جاء ليهذب النفوس ويقيم العدل، لكن الكارثة تبدأ عندما تُختزل الفضيلة في ملاحقة الناس والتشدد في المظاهر، بينما تُهمل حقوق الفقراء والمحتاجين، ويُغض الطرف عن الأموال التي جُمعت باسم الخير ثم اختفى أثرها.
المؤلم أن بعض من يرفعون راية الوعظ يبدون شديدي الحرص على مراقبة تفاصيل حياة الآخرين، لكنهم لا يظهرون الحماس نفسه عندما يتعلق الأمر بالشفافية والمساءلة عن التبرعات والصدقات والأوقاف. فمن يجمع أموال الناس باسم الله، لا يملك حق التعامل معها وكأنها ملكية خاصة، بل هو مؤتمن عليها أمام الناس وأمام الله.
لقد تحولت عبارة “الصدقة الجارية” عند البعض إلى عنوان لحسابات جارية، وأصبحت دموع الأرامل والأمهات الثكالى، وتبرعات المرضى والفقراء، وقودًا لصناعة المكانة الاجتماعية والثراء الشخصي. وهذه ليست مجرد مخالفة أخلاقية، بل سقوطًا يتناقض مع جوهر الرسالة الدينية التي تقوم على الأمانة والزهد وخدمة الناس.
إن أخطر ما يفعله من يوظف الدين لمطامعه الشخصية أنه لا يبدد أموال المتبرعين فحسب، بل يهز ثقة الناس بالعمل الخيري، ويشوّه صورة الرسالة التي يدّعي الدفاع عنها. فالدين لا يحتاج إلى من يستثمره، بل إلى من يصونه ويجسد قيمه في الصدق والعدل والشفافية.
فالصدقة الجارية التي خرجت من قلب أم ثكلى يجب أن تبقى بابًا للأجر والثواب، لا أن تتحول إلى رصيد في حساب جارٍ، أو وسيلة لإثراء من اتخذوا الدين سلّمًا لمصالحهم الدنيوية.
*-مقال للكاتبة اليمنية فيروز الوالي
*- رصد ومتابعة: شبوة برس-

