حين يصبح “التكييف” حلمًا يُطارد في المولات: صيف عدن اللاهب و”حكومة الفنادق” في قفص الاتهام
تتحول الأسواق والمراكز التجارية الكبرى في العاصمة المؤقتة عدن، خلال فصل الصيف، من أماكن للتسوق والترفيه إلى “ملاجئ حرارية” تؤوي آلاف الأسر الفارة من جحيم البيوت. مشهدٌ صادم يتكرر يوميًا؛ آباءٌ يصطحبون أطفالهم لا لشراء ثيابٍ أو ألعاب، بل للبحث عن نفحة هواء بارد يوفرها التكييف المركزي للمول، بعد أن تحولت منازلهم إلى أفران عامرة بالحر والرطوبة في ظل انهيار تاريخي لخدمة الكهرباء.
عندما ينطق أحد الآباء بمرارة قائلًا: “جئت بأولادي لكي يتبردوا”، فإن هذه الكلمات البسيطة لا تعبر عن رفاهية، بل تلخص مأساة إنسانية كبرى وجرحًا غائرًا في جبين الإنسانية. إنها صرخة عجز تطلقها العائلات التي تقضى 20 ساعة في الظلام والحر الشديد مقابل 4 ساعات فقط من التيار المنقطع، في صيفٍ يغلي بامتياز وتتجاوز فيه درجات الحرارة والرطوبة حدود القدرة البشرية على التحمل.
جحيم المنازل وغلاء البدائل
في عدن اليوم، لم يعد الصيف مجرد فصل من فصول السنة، بل غدا شبحًا مخيفًا يهدد سلامة الأطفال والمرضى وكبار السن. ومع الانقطاع الطويل للكهرباء الذي يصل إلى عشر ساعات متواصلة مقابل ساعتين من التشغيل، تصبح الحياة داخل الشقق السكنية ضربًا من العذاب اليومي.
وما يضاعف هذه المأساة هو العجز الاقتصادي القاهر؛ فغالبية الأسر العدنية المطحونة بفعل الغلاء وانهيار العملة:
لا تملك القدرة على شراء منظومات الطاقة الشمسية أو المولدات الخاصة التي باتت حكرًا على الميسورين.
تعجز عن شراء أجهزة التكييف التي ارتفعت أسعارها بشكل جنوني يفوق دخل المواطن بمئات المرات.
تجد في “المولات” التجارية الملاذ المجاني الوحيد والمتاح لالتقاط الأنفاس، في مشهد يدمي القلوب ويفضح عمق الفقر والحاجة.
أين دور “حكومة الفنادق”؟
أمام هذا الوضع الكارثي، يبرز السؤال الملح والبديهي الذي يتردد على لسان كل مواطن: أين دور الحكومة ومؤسسات الدولة مما يجري؟!
إن الصمت المطبق والبرود الذي تتعامل به الجهات المعنية يعطي انطباعًا واضحًا بأن المعاناة الشعبية لا تعنيها من قريب أو بعيد. وبينما يتلوى المواطن وأطفاله جوعًا وحرًا في أزقة عدن، تنعم القيادات والمسؤولون بظلال المكيفات الوارفة في العواصم الخارجية وفنادقها الفاخرة، غير آبهين بكهرباء تنطفئ أو خدمات تنهار.
إن “عدالة العيش” تقتضي أن يذوق المسؤول من الكأس ذاته الذي يتجرعه المواطن، لكن الفجوة اليوم باتت هائلة بين شعبٍ يبحث عن نسمة هواء في ممرات الأسواق، وحكومة تعيش في بروج مشيدة بعيدة عن واقع الأرض.
صرخة للرأي العام
إن تحويل المراكز التجارية إلى “مخيمات صيفية” هربًا من الموت الحراري ليس حلًا، بل هو دليل إدانة صارخ ضد سياسة الإهمال والتعذيب الخدمي الممنهج. إننا نضع هذه المعاناة القاسية أمام الرأي العام المحلي والدولي، وأمام كل من به صمم في مراكز القرار:
أنقذوا عدن وأهلها، فالصبر قد بلغ مداه، والبيوت لم تعد تطاق، والكرامة الإنسانية لا تقبل أن يُحرم الصغار حتى من حقهم في الهواء النقي والنوم بسلام.
