*- شبوة برس – الدكتور جلال حاتم
حين يُطرح موضوع الفساد في الدول النامية والهشة، يتجه التفكير عادة إلى الرشوة والاختلاس والعمولات والصفقات المشبوهة. وهي بلا شك مظاهر خطيرة تمثل استنزافاً مباشراً للمال العام وتقويضاً لثقة المجتمع بالدولة. غير أن التجارب الحديثة تكشف أن أخطر أشكال الفساد لا تتمثل دائماً في سرقة الأموال بصورة سرية، بل في تحول مؤسسات الدولة نفسها إلى آلية منظمة لإعادة توزيع الموارد العامة على شبكات المصالح والنفوذ والولاءات.
وهنا ننتقل من مفهوم “سرقة المال العام” إلى مفهوم أوسع وأكثر تعقيداً يمكن تسميته اقتصاد النهب المؤسسي؛ أي الحالة التي تصبح فيها الدولة أداة لتوزيع الريع السياسي والاجتماعي بدلاً من أن تكون أداة لإنتاج التنمية وتقديم الخدمات العامة.
في الفساد التقليدي يكون هناك موظف أو مسؤول يستغل منصبه لتحقيق منفعة شخصية بصورة مخالفة للقانون. أما في اقتصاد النهب المؤسسي فإن المشكلة لا تقتصر على أفراد منحرفين، بل تمتد إلى بنية كاملة من العلاقات والممارسات التي تجعل استنزاف الموارد جزءاً من آلية عمل النظام الإداري والسياسي نفسه. وفي هذه الحالة نكتشف أن هناك مؤسساتٍ صُممت بحيث تسمح باستمرار استنزاف الموارد بصورة دائمة ومنظمة.
وهنا يمكن التمييز بين نوعين من استنزاف المال العام. الأول: النهب السري، ويشمل الاختلاسات والعمولات والصفقات غير المشروعة وتحويل الأموال إلى حسابات خاصة والاستيلاء على الأصول العامة. أما الثاني فهو النهب العلني، وهو الأخطر لأنه يجري تحت مظلة قانونية أو إدارية رسمية، كالتوسع غير المبرر في التعيينات المدنية والعسكرية والدبلوماسية، وازدواج الوظائف والمرتبات، واستحداث هياكل ومؤسسات لا تضيف قيمة حقيقية، وصرف مخصصات ومكافآت وإعاشات لا ترتبط بأداء أو إنتاجية، والإنفاق المفرط على الوفود والسفر والامتيازات، وشراء “عسل”، وعلب “فاصوليا”.
وفي هذه الحالات لا تُسرق الأموال خلسة، بل تُنقل من الخزينة العامة إلى المستفيدين عبر قرارات رسمية تحمل أختام الدولة وتوقيعاتها.
وحين تضعف المؤسسات الرقابية وتتعقد الأزمات السياسية، تتحول الموارد العامة تدريجياً من أداة لخدمة المواطنين إلى أداة لإدارة التحالفات السياسية والاجتماعية.
فتصبح الوظائف العامة وسيلة لكسب التأييد، وتتحول المخصصات إلى أدوات لشراء الولاءات، ويجري توزيع المنافع الاقتصادية وفق اعتبارات النفوذ والقرب من مراكز القرار أكثر مما يجري وفق معايير الكفاءة والحاجة العامة.
وهنا تتحول الدولة من “دولة خدمات” إلى “دولة توزيع امتيازات”.
ولا يقتصر الأمر على القرارات الكبرى. ففي كثير من الأحيان تتجسد ثقافة النهب المؤسسي في تفاصيل تبدو صغيرة عند النظر إليها منفردة، لكنها تتحول إلى نزيف مالي مستمر عند جمعها.
فحين تُصرف الأموال العامة على مشتريات كمالية أو هدايا أو ولائم أو نفقات بروتوكولية مبالغ فيها، أو حين تُستخدم الموارد العامة لتوفير منافع شخصية أو سياسية لا علاقة لها بالمصلحة العامة، فإن المشكلة لا تكمن في قيمة النفقة ذاتها بقدر ما تكمن في العقلية التي تقف خلفها.
إن تكرار هذه الممارسات على نطاق واسع يعكس تحول المال العام من أمانة وطنية إلى مورد متاح للتصرف الشخصي والسياسي.
والخطأ الشائع هو الاعتقاد بأن الأموال المهدرة مجرد أرقام مالية. والحقيقة أن كل مبلغ يُهدر أو يُستخدم خارج أولويات التنمية ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين. فالأموال التي تُستهلك في شبكات المحسوبية لا تذهب إلى تحسين الكهرباء، وتوفير المياه، ودعم التعليم، وتطوير الرعاية الصحية، وبناء البنية التحتية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي. ولهذا فإن ضحايا النهب المؤسسي ليسوا الخزينة العامة فقط، بل المجتمع بأكمله.
في الأدبيات الحديثة للأمن القومي لم يعد التهديد مقتصراً على الجيوش والحروب. فالدولة التي تُستنزف مواردها بصورة مستمرة تفقد تدريجياً قدرتها على تقديم الخدمات، وتضعف ثقة المواطنين بمؤسساتها، وتتراجع قدرتها على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا يصبح اقتصاد النهب المؤسسي قضية أمن قومي بامتياز، لأنه يقوض أسس الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة.
الخلاصة
ليست المشكلة الكبرى في وجود أفراد فاسدين، فذلك أمر عرفته جميع المجتمعات عبر التاريخ. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الفساد إلى منظومة، وتتحول الدولة من أداة لإدارة الموارد العامة لصالح المجتمع إلى أداة لإعادة توزيع تلك الموارد على شبكات المصالح والنفوذ.
وعند هذه النقطة لا يعود الحديث عن سرقة المال العام كافياً لوصف ما يجري؛ لأننا نكون أمام ظاهرة أوسع وأعمق: اقتصاد نهب مؤسسي يجعل الدولة نفسها جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط بملاحقة الفاسدين، بل بإعادة بناء المؤسسات والقواعد التي تمنع تحول المال العام إلى ريع سياسي، وتحول الدولة من موزع للامتيازات إلى صانع للتنمية والاستقرار.
