حين تختلف معك جهة واحدة، قد يكون الخلل فيك أو فيها.

وحين تختلف معك جهتان، يصبح الأمر بحاجة إلى مراجعة.

لكن عندما تجد أن الحوثي لديه مشكلة مع الجنوب، والشرعية لديها مشكلة مع الجنوب، وبعض مراكز النفوذ الإقليمية لديها مشكلة مع الجنوب، ثم تكتشف أن جزءاً من الجنوبيين أنفسهم لديهم مشكلة مع الجنوب… فهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد خلاف سياسي عابر.

ما الذي يجعل الجنوب حاضراً في كل معادلة، وغائباً عن كل تسوية؟

ولماذا يتحول إلى نقطة التقاء نادرة بين خصوم لا يتفقون على شيء سوى رفضهم لحقه في أن يكون كما يريد؟

الحوثي يرى في الجنوب عقبة أمام مشروعه، لأنه يدرك أن أي كيان جنوبي مستقر يعني سقوط حلم الهيمنة على كامل اليمن.

والشرعية التقليدية تنظر إليه باعتباره تمرداً على منظومة اعتادت احتكار القرار والثروة والسلطة لعقود طويلة.

أما بعض القوى الإقليمية، فهي وإن كانت تدرك أهمية الجنوب وموقعه الاستراتيجي، إلا أنها تنظر أحياناً إلى طموحاته الوطنية من زاوية المصالح والحسابات الأمنية أكثر مما تنظر إليها من زاوية حق الشعوب في تقرير مصيرها.

المفارقة الأكثر إيلاماً ليست هنا.

المفارقة أن الانقسام امتد إلى داخل البيت الجنوبي نفسه.

فصار لدينا جنوبي يهاجم الجنوب باسم الشرعية، وجنوبي يهاجم الجنوب باسم الحوثي، وجنوبي يهاجم الجنوب لأنه يختلف مع هذا الفصيل أو ذاك، حتى أصبح الخلاف على الوسيلة يتحول أحياناً إلى عداء للهدف نفسه.

وهنا يكمن الخلل الحقيقي.

فالجنوب لا يعاني من كثرة الأعداء بقدر ما يعاني من غياب الاتفاق على تعريف المصلحة الجنوبية العليا.

عندما تصبح الولاءات الصغيرة أكبر من القضية الكبيرة، وعندما يتحول الاختلاف السياسي إلى معركة كسر عظم، يصبح من السهل على الآخرين استثمار الانقسام وتغذيته.

لا توجد قضية في العالم انتصرت لأن الجميع كانوا متفقين على التفاصيل.

القضايا تنتصر عندما يتفق أصحابها على الثوابت ويختلفون على الوسائل.

أما عندما يختلفون على الثوابت والوسائل معاً، فإنهم يمنحون خصومهم نصراً مجانياً.

الحل لا يبدأ من الخارج.

لا من الرياض، ولا من صنعاء، ولا من أي عاصمة أخرى.

الحل يبدأ من الجنوب نفسه.

من الاعتراف بأن التنوع السياسي ليس خطراً، وأن الاختلاف في الرأي لا يلغي الانتماء، وأن القضية أكبر من الأشخاص والأحزاب والمجالس والتيارات.

فالجنوب لن يكسب معركته لأنه يمتلك السلاح الأقوى، ولا لأنه يرفع الصوت الأعلى.

سيكسبها فقط عندما يمتلك رؤية مشتركة يتسع ظلها للجميع.

عندها فقط سيتحول السؤال من: لماذا لدى الجميع مشكلة مع الجنوب؟

إلى سؤال أكثر أهمية:

كيف استطاع الجنوب أن يفرض نفسه رقماً لا يستطيع أحد تجاوزه؟