تتحرك جغرافيا السياسة فوق رمال متحركة، لا تستقر على حال ولا تدوم لخارطة.. إن العواصف التي تهب بين الحين والآخر على المشهد الإقليمي تذكرنا دائماً بحقيقة أزلية: 

أن الهياكل والكيانات مهما بلغت درجة التمكين الإجرائي لها هي في نهاية المطاف أدوات مرحلية صيغت لإدارة تقاطعات عابرة ومصالح متبادلة وليست غايات نهائية بحد ذاتها.

وعندما تطوى صفحة ترتيب ما في أروقة الدبلوماسية وصالونات العواصم الكبرى ويرفع الستار عن مرحلة جديدة تتطلب صياغات مغايرة وأوعية سياسية مختلفة، يتضح للقارئ اللبيب أن زوال الشكل الإداري أو ذوبان المظلة التنظيمية ليس مؤشراً على نهاية الفكرة.

 فالقضايا المتجذرة في وعي الشعوب ووجدانها الجمعي تمتلك مناعة ذاتية ضد الفناء.. وهي قضايا لا تستمد شرعيتها من صكوك الاعتراف المؤقتة ولا ترتبط هويتها الوجودية بوجوه الفاعلين السياسيين أو بلافتاتهم المتبدلة.

إن النبض الممتد على طول الساحل والمدى الجنوبي ليس أسير معادلة وصفت في زمن معين تحت سقف إقليمي ،بل هو حقيقة تاريخية وإنسانية سابقة على كل المكونات ولاحقة عليها. 

فالجبال الرواسي الممتدة من مشارف ردفان الشامخة إلى قمم يافع الحصينة، ومن كبرياء شمسان حتى مرتفعات كور العوالق، لا تهزها الرياح العابرة. وشواطئ بحر العرب، من خليج عدن الثائر إلى سواحل حضرموت والمهرة الهادئة، تعيد تشكيل رمالها مع كل موجة جديدة دون أن تفقد هويتها أو يتغير مرساها.

وحين تملي الضرورات الاستراتيجية في دوائر القرار إعادة هيكلة المشهد وإغلاق بعض الملفات التنظيمية التي استنفدت أغراضها، فإنما هي عملية تنقية للمتن من هوامشه العابرة؛ تماماً كما تنفض أشجار النخيل في وادي حضرموت الفسيح سعفها اليابس لتستقبل موسماً جديداً من العطاء، وكما تتنفس رمال صحراء شبوة بعد انقشاع العاصفة.

يبقى جوهر التطلعات حياً ونقياً متحرراً من قيود التمثيل الضيق وعواصف الصحراء المتقلبة، ليؤكد للعالم أن مسيرة الأرض والإنسان الممتدة من مضيق باب المندب غرباً إلى حدود الغيضة شرقاً، أقوى من أن تختزل في حبر اتفاق أو تفاصيل إعلان ناقص.