لم تعد الأزمة مجرد انقطاع للكهرباء أو تأخر في صرف الرواتب أو ارتفاع في أسعار السلع، بل تحولت إلى واقع يومي يثقل حياة الناس ويجعل أبسط متطلبات العيش تحدياً مستمراً. يستيقظ المواطن كل صباح مثقلاً بأسئلة المعيشة والدواء والغذاء، فيما تتراكم الأعباء الاقتصادية والخدمية بصورة غير مسبوقة.
في الشوارع تبدو آثار المعاناة واضحة على الوجوه، وفي المنازل يتقاسم الناس الظلام والحرمان والقلق من مستقبل غامض. وفي المقابل، يشعر كثيرون بوجود فجوة متزايدة بين معاناة المواطنين ومستوى الاهتمام الرسمي بحل الأزمات المتراكمة.
المشكلة لم تعد في الفقر وحده، بل في الاعتياد عليه. فالأمم لا تنهار بسبب الأزمات الطارئة، وإنما عندما يصبح الألم جزءاً من الحياة اليومية، ويتحول الفشل إلى أمر مألوف، ويغيب الأمل في التغيير.
اليوم يعيش المواطن أزمة ثقة بقدر ما يعيش أزمة خدمات. لم يعد السؤال متى ستتحسن الأوضاع، بل هل توجد إرادة حقيقية لمعالجة جذور المشكلات التي تتفاقم عاماً بعد آخر؟ وكيف يمكن إقناع الناس بالصبر بينما تتراجع الخدمات الأساسية وتتدهور الظروف المعيشية؟
وتزداد حدة التساؤلات مع اتساع الفجوة بين واقع المواطنين الصعب وما يُنظر إليه على أنه استمرار لامتيازات ومظاهر ترف لدى بعض مراكز النفوذ. فالحصول على الكهرباء والمياه والدواء والراتب المنتظم أصبح بالنسبة لكثيرين مطلباً ملحاً، لا رفاهية إضافية.
التاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تنسى. فكل معاناة تترك أثراً في الذاكرة، وكل أزمة غير معالجة تضيف مزيداً من الاحتقان والإحباط. كما أن صمت الناس لا يعني بالضرورة رضاهم، بل قد يكون تعبيراً عن انتظار طويل للحلول.
إن الجنوب اليوم بحاجة إلى إجراءات عملية تعالج الأزمات من جذورها، لا إلى مزيد من الوعود أو إدارة المشكلات دون حلها. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالعدالة والكفاءة وتحسين حياة المواطنين. وعندما يطول الليل، يبقى الأمل معقوداً على من يمتلك القدرة والإرادة لإشعال أول شمعة في طريق الخلاص.
أبوناصر فانون السنيدي
