لم يعد ما تعيشه عدن مجرد أزمة خدمات أو خلل فني عابر، بل تحول إلى مشهد متكرر يكشف عن أزمة أعمق من انقطاع الكهرباء ونقص الوقود. إنها أزمة مسؤولية وإدارة وإرادة قبل أن تكون أزمة طاقة.

مع كل وعود جديدة أو تغييرات إدارية، يتجدد الأمل لدى المواطنين بانفراج قريب، لكن هذا الأمل سرعان ما يتلاشى أمام استمرار المعاناة اليومية. وفي مدينة تواجه درجات حرارة مرتفعة ورطوبة خانقة، لم يعد انقطاع الكهرباء مجرد مشكلة خدمية، بل أصبح تهديدًا مباشرًا لصحة الناس وحياتهم.

الأطفال وكبار السن والمرضى هم الأكثر تضررًا من هذه الأزمة المستمرة. ومع اتساع حجم المعاناة، يزداد التساؤل حول أسباب العجز عن إيجاد حلول حقيقية، رغم أن الجميع يدرك أن توفير الوقود ليس أمرًا مستحيلًا في ظل الموارد والعلاقات والإمكانات المتاحة.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل المشكلة فعلًا في نقص النفط، أم في غياب القرار والإدارة الفاعلة؟ فحين تستمر الأزمة رغم وجود الحلول الممكنة، يصبح من الطبيعي أن يشكك الناس في أسباب التعثر، وأن يروا أن المشكلة تتجاوز الجانب الفني إلى جوانب أخرى تتعلق بالإرادة والمسؤولية.

لقد وصل اليأس لدى كثير من المواطنين إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبح الاعتقاد السائد أن العقبات السياسية والتجاذبات المختلفة باتت تقف أمام أي جهود جادة لإنهاء الأزمة، رغم أن حياة الناس ومعاناتهم يجب أن تكون فوق كل الاعتبارات الأخرى.

وما يزيد من قسوة المشهد أن هناك شعورًا عامًا بأن المعالجة لا ترتقي إلى مستوى الكارثة الإنسانية القائمة. فالمواطنون لا يطالبون بمشاريع كبرى أو رفاهية إضافية، بل بخدمة أساسية تحفظ لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة في ظل ظروف مناخية قاسية.

ومن حق أبناء عدن أن يوجهوا نداءً إلى كل الجهات المحلية والإقليمية والدولية المعنية بالشأن الإنساني، للتنبه إلى حجم المعاناة التي يعيشها السكان يوميًا نتيجة الانقطاعات الطويلة للكهرباء. فالأزمة لم تعد مجرد أرقام أو تقارير، بل واقعًا ينعكس على صحة الناس وحياتهم واستقرارهم.

كما أن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تقع على عاتق جميع الأطراف المعنية، خصوصًا أولئك الذين يمثلون أبناء الجنوب داخل مؤسسات الشرعية والسلطة. فالمواطن ينتظر مواقف عملية وجهودًا ملموسة تنهي معاناته، لا مزيدًا من الوعود أو التبريرات.

إن عدن اليوم بحاجة إلى قرارات شجاعة وإجراءات عاجلة تعطي الأولوية للإنسان قبل أي حسابات أخرى. فاستمرار الأزمة بهذا الشكل لا يرهق المواطنين فقط، بل يهدد الثقة بالمؤسسات وقدرتها على القيام بواجباتها الأساسية.

وفي النهاية تبقى الحقيقة واضحة؛ فعندما تكون الإمكانيات متاحة وتظل الحلول غائبة، فإن المشكلة لا تكون في الموارد وحدها، بل في غياب الإدارة الفاعلة والشعور بالمسؤولية. ولذلك فإن إنهاء معاناة عدن يبدأ من اتخاذ قرار جاد يضع حياة الناس وكرامتهم فوق كل الاعتبارات الأخرى.