في كل مرة تشتد فيها الأزمات وتتعاظم معاناة الناس، تخرج علينا أسطوانة قديمة تتجدد بعناوين براقة وشعارات مدهونة بالعسل والسمن البلدي، عنوانها هذه المرة.. “الكل يتحمل المسؤولية من أجل إنقاذ عدن”. شعارات تبدو في ظاهرها دعوة للتكاتف، لكنها في حقيقتها محاولة جديدة لنثر الرماد في العيون والهروب من تحديد المسؤول الحقيقي عما وصلت إليه الأوضاع.

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب هو إدراج اسم المجلس الانتقالي الجنوبي ضمن قائمة الأطراف التي يراد تحميلها المسؤولية، وكأننا أمام مشهد يتجاهل الوقائع والحقائق التي يعلمها الجميع. فكيف يمكن تحميل المسؤولية لكيان تم إقصاؤه وإضعاف دوره، وتعرض لحملات استهداف سياسية وخدمية وإعلامية منظمة، بينما تغض الأبصار عن الجهات التي تمتلك اليوم القرار والنفوذ وأدوات السلطة كافة؟

إن المفارقة العجيبة أن من خاضوا حرب الخدمات ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، ومن جعلوا معاناة المواطنين وسيلة للضغط السياسي، هم أنفسهم الذين يتجرعون اليوم نتائج السياسات التي صنعوها بأيديهم. وكما يقول المثل.. من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.

لقد تعرض المجلس الانتقالي الجنوبي، خلال فترة مشاركته المحدودة في السلطة، لأوسع حملات الاتهام والتشويه، واتهم بنهب المليارات والسيطرة على الثروات، بينما كان الجميع يعلم أنه لم يكن يملك مفاتيح النفط والغاز ولا القرار الاقتصادي الحقيقي. سمع الناس تلك الاتهامات كثيراً، لكنهم لم يروا يوماً تلك المليارات المزعومة التي جرى الحديث عنها، ولم يشاهدوها حتى بعد استبعاد المجلس الانتقالي الجنوبي فإذا كان فعلاً المجلس الانتقالي الجنوبي هو من ينهب تلك المليارات فأين هي اليوم.. لأن الحقيقة كانت ولا تزال مختلفة عن الرواية التي جرى تسويقها للرأي العام.

إن المؤلم حقاً أن هناك من ظل مستعداً لتجويع شعب الجنوب وإغراقه بالأزمات، بل وممارسة أبشع أشكال التضليل والكذب، دفاعاً عن مشروع سياسي سقط عملياً منذ حرب صيف 1994. مشروع أثبتت السنوات أنه عاجز عن بناء شراكة عادلة أو صناعة مستقبل يجمع الناس على أساس الاحترام المتبادل والحقوق المتساوية.

لقد رأينا كيف تم تقديم المصالح السياسية الضيقة على مصالح المواطنين، وكيف أصبح البعض مستعداً للتحالف مع أي طرف حتى لو كان الشيطان، والتنازل عن أي شيء، مقابل الإبقاء على واقع لفظه قطاع واسع من أبناء الجنوب العربي ورفضوا استمراره بالقوة أو بالإكراه.

واليوم، وبعد أن أصبحت السلطة والقرار السياسي والاقتصادي بأيديهم، وبدعم إقليمي كبير، يخرجون للحديث عن “تكاتف الجميع” و”تحمل الجميع للمسؤولية”. لكن الحقيقة الواضحة هي أن من يملك القرار يجب أن يتحمل المسؤولية أولًا. ومن يدير المشهد السياسي والاقتصادي والخدمي اليوم لا يستطيع الهروب من استحقاقات الواقع بإلقاء اللوم على الآخرين.

إن وضع القوى المتحكمة اليوم في السلطة أقوى بكثير من وضع المجلس الانتقالي الجنوبي عندما كان شريكاً محدود الصلاحيات بعدد محدود من الوزراء، ولذلك فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي مواجهة الأزمات ومعالجتها لا البحث عن شماعات جديدة لتعليق الفشل عليها.

ومهما طال الزمن أو قصر، فإن الشعوب لا تنسى، ولا يمكن لأي حملات إعلامية أو محاولات تضليل أن تغير الحقائق على الأرض. لقد تجاوز شعب الجنوب العربي مراحل طويلة من الوعي والتجربة، وأصبح أكثر قدرة على التمييز بين من يعمل لمصلحته ومن يوظف معاناته لخدمة مشاريع سياسية خاصة.

فالجنوب العربي وشعبه لم يعودا كما كانا في الماضي، ولا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. هذه حقيقة يدركها كثير من أبناء الجنوب، كما يدركها كثير من أبناء الأمة العربية الذين تابعوا ما جرى ويجري على مدى العقود الماضية.

لقد أصبح العالم قرية صغيرة، وأصبحت الحقائق تنتقل إلى الجميع دون حواجز. ولذلك لم يعد من السهل إخفاء الممارسات التي أدت إلى تفشي الفقر وتدهور الخدمات واتساع معاناة الناس. وما يحتاجه المواطن اليوم ليس المزيد من الشعارات، بل الصدق والوضوح وتحمل المسؤولية ومحاسبة المقصرين، لأن الأوطان لا تبنى بالدعاية، وإنما تبنى بالعدالة والصدق واحترام إرادة الشعوب..

 ✍️  ناصر العبيدي