صباح الخميس الماضي، طُويت صفحة سياسية يمنية مثيرة للجدل بوفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي في الرياض عن 81 عاماً. رجلٌ قاد اليمن في أخطر منعطفاتها، ورحل في المنفى، بعيداً عن أبين التي ولد فيها عام 1945، وبعيداً عن عدن التي حكم باسمها. 

المفارقة التي فجّرت النقاش في الجنوب:

 لماذا انهالت عبارات الرثاء والمديح على هادي بعد موته، من تيارات جنوبية كانت تتهمه في حياته بالخيانة والضعف والتفريط؟

1. من هو عبدربه منصور هادي؟ محطات في سيرة مثيرة للجدل

ابن المؤسسة الصامت: لم يكن خطيباً شعبوياً ولا قائداً صدامياً. تخرج من “ساندهيرست” البريطانية عام 1966، وتدرج في جيش الجنوب قبل الوحدة. نقطة التحول كانت أحداث يناير 1986 الدامية، حين غادر مع جناح علي ناصر محمد إلى صنعاء.

حرب 94: برز في حرب صيف 1994 وزيراً للدفاع مع علي عبدالله صالح في حرب 94، ثم كافأه صالح بمنصب نائب الرئيس 18 عاماً. هذه المحطة جعلت قطاعاً واسعاً من الجنوبيين ينظر إليه كـ”رجل صنعاء” لا “ابن أبين”.

رئيس المرحلة الانتقالية: بعد ما اسمي “ثورة 2011″، تسلم السلطة بموجب المبادرة الخليجية وانتُخب رئيساً توافقياً عام 2012. المهمة التي اوكلت له: هيكلة الدولة وصياغة دستور جديد. لكنه واجه انهياراً اقتصادياً، والتمدد الحوثي، والقاعدة، وتركة صالح الفاسدة المعقدة. 

سقوط صنعاء والمنفى: سيطر الحوثيون على صنعاء 2014، وغادر هادي إلى عدن ثم الرياض 2015 مع انطلاق عاصفة الحزم. في أبريل 2022 سلّم صلاحياته لمجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، وبقي في الرياض حتى وفاته إثر مشاكل صحية في القلب. 

2. لماذا لم يُنصف في حياته جنوباً؟

هادي دفع ثمن موقعه بين نارين:

1. تهمة “الوقوف مع ما يسمى الوحدة”: قطاع عريض من الحراك الجنوبي لم يغفر له وقوفه مع صالح في 1994 ضد البيض. اعتُبر شريكاً في تثبيت “احتلال الشمال للجنوب” كما يصفه الجنوبيون.

2. ضعف الدولة وسقوطها: حُمّل مسؤولية “التراخي أمام تمدد الحوثيين وسقوط معظم مناطق الشمال”. كما واجه انتقادات حادة من  الجنوبيين الذين اتهموا حكومته بالفساد وبضعف السيطرة على مؤسسات الدولة.

3. البقاء في المنفى: إقامته الطويلة في الرياض منذ 2015 جعلته في نظر الشارع “رئيساً بلا سلطة” و”أسير فنادق”، بعيداً عن معاناة الناس. 

كان هادي “رجل المؤسسة الهادئ الذي فضل العمل بصمت وتجنب المواجهات الحادة”، لكن الصمت في زمن الحرب يُفسّر ضعفاً. 

3. لماذا يتم مدحه في القبر؟ سيكولوجيا ما بعد الموت

بعد إعلان وفاته، تبدلت النبرة. حتى خصومه أشادوا بـ”هدوئه” و”توافقيته”. لماذا؟

1. منطق المقارنة: بعد 3 سنوات من مجلس القيادة الرئاسي، ومع استمرار الانهيار الاقتصادي وتشظي القرار، بدا عهد هادي – رغم سوئه – أكثر استقراراً مؤسسياً. الناس تقارن السيء بالأسوأ.

2. هيبة الموت: الموت يُسقط الخصومة عند العرب. “اذكروا محاسن موتاكم” ثقافة راسخة. مهاجمة رجل في كفنه عيب اجتماعي، خاصة وهو “ابن الجنوب”. النزعة المناطقية غلبت السياسية.

3. مراجعة تاريخية: هناك من يرى اليوم أنه “شخصية توافقية جنبت البلاد انهيارات أكبر”. وأن الرجل استلم “تركة مسمومة” من صالح، وحاول إدارة مرحلة مستحيلة بلا أدوات. فشل لكنه لم يكن خائناً.

4. الضحية لا الجلاد: صورة هادي المحاصر في منزله بصنعاء، ثم هروبه إلى عدن، ثم منفاه الطويل، رسخته في الوعي كـ”ضحية” للحوثي وللتحالف وللأطراف التي تخلت عنه. والضحية تُستدر التعاطف بعد موتها. 

4- بين التاريخ والحاضر

عبدربه منصور هادي لم يكن ملاكاً ولا شيطاناً. كان ابن مرحلته بكل تعقيداتها. أخطأ حين وثق بخصومه، وأخطأ حين صمت حيث وجب الكلام، وأخطأ حين أدار الدولة بعقلية “النائب” لا “الرئيس”.

مدحه بعد الموت لا يبرئ أخطاءه، لكنه يكشف أزمتنا في الجنوب:

 نحن لا ننصف رجالنا إلا بعد أن يرحلوا. نجلدهم وهم أحياء يصارعون العاصفة، ونبكيهم بعد أن تكسرهم العاصفة.

ربما الدرس الأكبر من رحيل هادي: أن شعارات “كلنا شبوة.. كلنا أبين.. كلنا الجنوب” لا يجب أن تبقى شعاراً للرثاء، بل ميثاقاً للإنصاف ونحن أحياء.

رحل هادي، وبقي السؤال: من سينصف من بقي؟