شبوة برس – تعليق سياسي

ما يزال بعض الجنوبيين يتمسكون بخطاب الوحدة اليمنية، رغم أن الوقائع على الأرض منذ حرب 1994 وحتى اليوم تكشف حجم المأساة التي لحقت بالجنوب وأبنائه تحت هذا المشروع الذي تحول من شراكة سياسية معلنة إلى واقع قائم على الإقصاء والهيمنة والصراع.

فالوحدة التي قُدمت يومًا كشعار للأخوة والمصير المشترك، انتهت – وفق ما يراه كثير من الجنوبيين – إلى حرب شاملة استهدفت الإنسان والأرض والهوية، وأدت إلى اغتيال قيادات سياسية وعسكرية وأمنية جنوبية، وتسريح آلاف العسكريين والموظفين من أعمالهم، وحرمان قطاعات واسعة من حقوقها في الوظيفة والخدمات والمرتبات.

المفارقة أن الجنوب وجد نفسه طوال العقود الماضية طرفًا في صراعات مراكز القوى في صنعاء، دون أن يكون له فيها مصلحة أو قرار. فمن حروب النفوذ إلى الانقسامات السياسية والعسكرية، ظل الجنوبيون يدفعون الثمن الأكبر، بينما تُدار البلاد بعقلية الغلبة وتقاسم السلطة والثروة بين القوى اليمنية المتصارعة.

وفي الوقت الذي يطالب فيه أبناء الجنوب بحقهم في تقرير مصيرهم واستعادة قرارهم السياسي، يواصل بعض الأصوات التمسك بوحدة لم تنتج سوى الأزمات والانهيار، متجاهلين أن ملايين الجنوبيين خرجوا في ساحات الحراك منذ 2007 مطالبين بتغيير هذا الواقع ورفض استمرار الهيمنة التي فرضتها نتائج الحرب.

إن القضية بالنسبة لكثير من الجنوبيين لم تعد خلافًا سياسيًا عابرًا، بل تحولت إلى مسألة هوية وكرامة وحق شعب في اختيار مستقبله بعيدًا عن الوصاية والإكراه. فالعلاقة العادلة بين الشعوب لا تُبنى بالقوة ولا بخطابات التخوين، وإنما بالاعتراف المتبادل والإرادة الحرة.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا يُطلب من الجنوبي أن يتمسك بوحدة يرى أنها سلبته دولته وقراره وحقوقه، بينما يُرفض حتى مجرد الاحتكام إلى إرادة الناس عبر استفتاء حر يحدد مستقبل الجنوب وشكل العلاقة القادمة؟

*- محرر “شبوة برس” السياسي