“حراسة الأسطورة بقدسية الدين”

من أكثر المعتقدات الشعبية انتشارًا بين الناس: الاعتقاد بما يسمى “العين”، حتى صار الكثير الكثير من الناس – حتى ذوو التعلم العالي – يعلِّقون عليها: الأمراض، والحوادث، والفشل، وتعثر الرزق، وكأن الإنسان محاصرٌ بقوةٍ خفيةٍ تتحكم بحياته!! مع أن هذا التصور لا يقوم على دليلٍ عقليٍّ ولا علميّ؛ بل هو امتدادٌ لموروثاتٍ من الأساطير القديمة التي كانت معروفة عند أممٍ سابقة، كالكلدانيين والفراعنة والإغريق، ثم تسربت إلى ثقافة كثير من الشعوب.

وقد كتبتُ – وغيري كثيرون – عن هذه الخرافة مراتٍ ومرات، ولكن لا يزال هناك من لا يريدون التصديق؛ إما لتعلقهم بالمرويات المدسوسة في المدوَّنات الحديثية، أو لأن نفوسهم تشرَّبت هذه الخرافة لدرجةٍ يستحيل معها انتزاعُها من بين تلافيف “أدمغتهم”، ولا أقول “عقولهم”؛ فما ثَمّ.

ويستدل أولئك المهووسون بالعين الشريرة، بحديثٍ منسوبٍ إلى النبي ﷺ، جاء فيه: «العَيْنُ حَقٌّ، ولو كان شيءٌ سابقَ القدرِ سبقتْه العين» (مسلم: 2188).

لكن التأمل في هذا الكلام يكشف إشكالًا واضحًا؛ إذ إن أوله يقرر أن خرافة العين “حق”، ثم يعود في آخره لينفي أن يسبق شيءٌ القدر. أي أن العين لا تأثير لها بتاتًا؛ لأن القدر جارٍ وسارٍ لا يسبقه شيء، وهذا تناقضٌ واضحٌ يتنزه عنه اللسان الصادق لسيدي رسول الله ﷺ. 

ثم إن الواقع يشهد بأن الناس ينسبون إلى “العين” كل شيء – تقريبًا – كما أسلفنا، مع أن تلكم الأمور لها أسباب طبيعية معروفة، لكن العقل البشري المستأسِر للخرافة، يميل إلى البحث عن تفسيرات غيبية سهلة بدل الاعتراف بالأسباب الحقيقية.

ولم يذكر القرآن المجيد “العين” بوصفها قوةً خارقةً تصيب الناس وتؤثر في الأشياء؛ بل أكد أن ما يصيب الإنسان إنما يجري وفق السنن والأسباب التي خلقها الله في هذا العالم، لا عبر طاقاتٍ خَفِيةٍ سَطَرَتْها أخاييلُ شعبيةٌ توارثتها الأمم. وإنما ذَكَرَ الكتابُ العظيمُ المعظَّمُ الحسد، وهو مَحضُ تَمَنٍّ لا تأثيرَ له ألبتَّة؛ إلا إذا خاف مَن تغلغلت في نفسه الضعيفة أقاصيصُ العين وأكاذيبُها، والتي لا تعدو أن تكون مصادفاتٍ ضُخِّمَت وأُريد لها أن تكون شاهدَ زورٍ على أمرٍ زائف كلَّ الزيف.

وأدعوك عزيزي القارئ، إلى مشاركتي التدبُّر لهذه الآيات الكريمة:

– ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الْحَدِيدِ: 22]

فالآية تُرجع المصائب إلى نظامٍ وقَدَرٍ مكتوب، لا إلى “عينٍ” تتصرف في الكون.

– ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التَّوْبَةِ: 51]

وهذا حصرٌ واضح؛ أي لا يصيب الإنسانَ إلا ما يَدخُلُ ضمن السَّنَن والتقدير الإلهي، لا قُوًى غامضةٍ مستقلة.

– ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرَّعْدِ: 11]

فهذه الآية تربط التغير بالأسباب الواقعية والسلوك البشري، لا بالحسد والعين والخرافات.

– ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك﴾ [النِّسَاءِ: 79]

فالآية تُرجع كثيرًا من الشرور إلى الإنسان نفسه وأخطائه وأسبابه الواقعية، لا إلى “العين”.

بل حتى الآيات التي يستدل بها بعض الناس على “العين”، مثل قوله تعالى:

– ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [الْقَلَمِ: 51]

لا تذكر قوةً خارقة تخرج من العين؛ وإنما تتحدث عن شدة النظرات والعداوة والغيظ، كما تقول العرب: “نظر إليه نظرًا كاد يَصرعه”، وهو تعبيرٌ بلاغيٌّ معروف، لا وصفٌ لطاقةٍ غيبيةٍ تصيب الأجساد والأرزاق.

وأختم بفكرتين على عجل:

الأولى أننا لم نَرَ أثرياء العالم شرقًا وغربًا ممن يُباهُونَ – أشدَّ المباهاة – بنعيمهم الأرضيّ، قد أصابهم شيءٌ من ذلك؛ لأن نفوسهم أقوى من أن تصدق ترهاتٍ كهذه.

والثانية أن عَجْزَ من يُزعَمُ أنه يصيب بالعين عن الإضرار بأعداء الأمة أو حتى أعدائه هو، دليلٌ واضح وبرهانٌ ساطعٌ وحجةٌ بالغةٌ دامغة، لمن هو مُتَرَدٍّ في غيابات الهَوَس بهذه الخرافة الساقطة.

*- فيصل بن ماجد السبيعي – باحث إسلامي سعودي الرياض