في خضم العواصف السياسية، وبين ضجيج التحليلات المتسرعة، خرجت أصوات كثيرة لتعلن نهاية رجل، وتكتب سطور الختام لمسيرة قائد. قالوا إن عيدروس الزبيدي قد انتهى سياسياً، وإن ما جرى بعد أحداث حضرموت قد أسدل الستار على حضوره ودوره. لكنهم تناسوا – أو تجاهلوا – أن القادة الحقيقيين لا يُقاسون بلحظة عابرة، ولا تُختصر مسيرتهم في منعطف واحد.
ها هو الزبيدي يطل من جديد، بصوتٍ واثقٍ لا يعرف الانكسار، ليؤكد حقيقة غابت عن خصومه: أن الرجل ما زال حاضراً، وأن المجلس الذي يقوده ما زال قائماً، وأن القضية التي يحملها لم ولن تسقط بالتقادم أو بالتشكيك.
ولعل الدليل الأوضح على ذلك، ما شهدته الساحات بالأمس من خروج جماهيري واسع في مليونية حاشدة، جسّدت حضور الشارع الجنوبي وتمسكه بقضيته. لم تكن تلك الحشود مجرد أرقام، بل كانت رسالة صريحة تقول إن القضية الجنوبية ما زالت حيّة في وجدان الناس، وأنها لم تفقد زخمها رغم كل التحديات. لقد أثبتت تلك المليونية أن الرهان على تراجع الإرادة الشعبية رهان خاسر، وأن الشعوب حين تؤمن بقضيتها فإنها تعبّر عنها في الميادين قبل المنابر.
إن هذا المشهد الجماهيري لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لمسار طويل من النضال، ورسالة قوية لكل من يحاول التقليل من شأن هذه القضية أو تجاوزها. فحين يحتشد الناس بهذا الشكل، فإنهم لا يدافعون عن أشخاص بقدر ما يؤكدون تمسكهم بحقوق يرونها مشروعة، ومستقبلاً يسعون إلى تحقيقه.
ومع ذلك، فإن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها، أن التحديات ما زالت قائمة، بل وربما تتعاظم. فالقضية الجنوبية، على عدالتها، لا يمكن أن تنتصر بالشعارات وحدها، ولا بالخطابات مهما بلغت قوتها، بل تحتاج إلى عمل مؤسسي حقيقي، وإدارة حكيمة، ورؤية واضحة تلامس معاناة الناس وتستجيب لتطلعاتهم.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من الجميع، قيادة وقاعدة، أن يدركوا أن قوة أي مشروع سياسي لا تكمن فقط في صلابة مواقفه، بل في قدرته على توحيد الصفوف، ورصّ الكلمة، وتغليب المصلحة العامة على كل اعتبار. فالتاريخ لا يرحم المتفرقين، ولا ينصف من يبددون طاقاتهم في صراعات جانبية.
لقد أثبتت التجارب أن القضايا العادلة قد تمر بمراحل ضعف، وقد تتعرض لمحاولات إضعاف أو تشويه، لكنها لا تموت ما دام وراءها شعب يؤمن بها، ويتمسك بها كخيار لا بديل عنه. والقضية الجنوبية واحدة من تلك القضايا التي لا يمكن اختزالها في ظرف، ولا إنهاؤها بقرار.
اليوم، وبين من راهنوا على السقوط، ومن تمسكوا بالأمل، يقف المشهد ليقول كلمته بوضوح: لا يزال الصوت الجنوبي حاضراً، ولا تزال الراية مرفوعة، ما بقيت جبال الجنوب شامخة تعانق السماء.
وما بين الأمس واليوم، تتجدد الحقيقة ذاتها: قد تتغير الوجوه، وقد تتبدل الظروف، لكن القضايا التي تنبض في قلوب الشعوب لا تعرف النهاية.
يا عيدروس سير سير شعبك بعدك للتحرير
