(سمع الشاعر أغنية ألفها منذ عهد فطرب لها وبعثت له كوامن

الذكريات. . .)

 

 

قَدْكَ يا شادي! ورفقاً يا وتَرْ! … لستُ فولاذاً، ولا قلبي حجرْ!

لستُ إلا شاعراً تهفو به … نُوَبُ الشوْق وأحلام الذكَر

كلما رَنَّتْ بسمعي نَغْمَةٌ … فصمتْ عِقْدَ دموعي فانتثر!

رُبَّ لحنٍ ناطقٍ من وتَرٍ … خاطبَ النفس فأشجاها وسر

ومُغَنٍ صانع ما لم يُطِقْ … شاعرٌ إن نطق الشعرَ سَحَر

لُغةَ الوجدانِ، إن لم تدْرِها … فاسأل القلبَ يُخَبِّرْكَ الخبر!

يالها أُغنيةً، في طيّها … للهوى تاريخُ أُنسٍ قد غبر!

رَنَّ في نفسي صَداها مُوقِظاً … ذكريات رقَدَتْ بين الفِكَر

يالهُ لحناً، على إيقاعهِ … رقَصَ الدمعُ بعيني وطَفَر!

حبذا أيامُ أنسٍ، كم بها … من برود اللهو مِسْنا في الحِبَر

فرصٌ جاَءتْ كما شاء الصِّبا … هشَّ فيها الحظُّ وافترَّ القدَر

يا ربوع اللهو! هل من عَوْدة؟ … يا رعى اللهُ زماناً فيكِ مر!

كم جنيْنا فيه أثمار المُنَى! … وبلغنا منه غاياتِ الوَطَر!

رجِّعِ الصوت، وبلبل أنفُساً … كم بها من لحنك الساري أثر!

مُحْيِياً مني مواتاً، كم طغت … مَوْجةُ الحبّ عليه فازدهر

فأراني سابحاً في عالَمٍ … رَفَّ في غُرِّ المعاني والصوَر

بانِياً ما بين أنقاضِ المنَى … بُرُجاً من دونها أوْجُ القمر!

بُلبل الفنّ! أماناً! قد شَجى … صوتك الطير، فرفقاً بالبشر!

رأْفةً بالقلب لا تَعْبَثْ به … ولك السمعُ حلالاً والبصر!

 

2 – الأوبة

 

 

وَكر الصِّبا! كم صَلِينا البيْن أزمانا … والآن عُدْتُ فَهوِّنْ ما بكَ الآنا

إني على العهد باق فوق عهدك بي … لم أسْل عنك، ولا حاولت سلوانا

لا تَلحَني فكلانا بالبِعادِ شجٍ … تُدْلي بشكواكَ أمْ ندلي بشكوانا؟

لم أنسَ فجر الصِّبا في جانبيك ولا … عهداً مضى فيك بالأفراح فَينانا

ولا ملاعب لهْوى في حماك ولا … مَراحنا جانب الوادي ومغْدانا

إذ ليس نفرغُ من لهوٍ ولا لعبٍ … إلا حثثنا إلى لهْوٍ مطايانا

ولا يهلُّ لنا شهرٌ فَنُبِليهُ … إلا وزادَ صِبانا الغَضَّ رْيعانا

هنا نشأتُ فكم لاقيتُ مرفهةً … وكم رضعتُ هنا بِرّاً وتحْنانا

هنا هفا القلبُ حولَ الحسنِ مُرتمياً … مثل الفراشِ حيال النورِ هَيمانا!

هنا رَشفتُ كؤوس الحبِّ طافحةً … مَعْ من أحبُّ وعينُ الله ترعانا!

في هالةٍ من شُعاع الطُّهرِ قد جَمعتْ … مُنى الهوى والصِّبا اللاهي وإيَّانا

لا ينطقُ الأنسُ إلا من أسرَّتنا … ولا يُرى البِشرُ إلا من ثنايانا!

وكلما ضاقَ عنا الكونُ أجمعهُ … بَنى الخيالُ لنا في الحبِّ أكوانا!

فالناسُ يحيَوْنَ في دنيا همومهمُ … ونحنُ في معزلٍ عنهم بدنيانا!

نعيشُ كالطير وثَّاباً برَوضته … يميتُ ساعاتِه حبّاً وألحانا

يلهو ويشدو على الأغصان مُزدَهياً … مُرفرفاً في الفضاء الرَّحب نشوانا

. . . سرح قضيتُ بها فجرَ الحياةِ فيا … تُرى يعودُ بها عَهدي كما كانا؟

والآن – يا وطني – حالتْ بنا غيرٌ: … تجاربٌ قد أرتنا الدهر ألوانا

محا الزمانُ أضاليلَ الصّبا فعفتْ … لولا بَقيَّاتُ حبٍ في حنايانا

وفي الحشا ذِكَرٌ أنسَيْتها خَلَدي … فلا أُحيلُ بها الأفراح أشجانا

ولستَ تنقمُ إلا أنني رجلٌ … أختطُّ من تلعاتِ العزّ أوطانا

ما اعتضْتُ بالأهل والإخوان من بدلٍ … وإنْ أضفتُ لهمْ أهلاً وإخوانا

عُدْ للسرورِ نَعُدْ للهو ثانيةً … وزِدْ نزِدْ بك في اللذات إمعانا!

 

(حضرموت – سيوون)