إغلاق مقهى “سكران” التاريخي في كريتر، بعد أكثر من 115 عامًا من الصمود، بسبب انعدام الغاز، ليس مجرد حادثة خدمية مؤسفة، بل واحدة من أكثر الصور سخرية واختصارًا لما جلبه مشروع الوحدة اليمنية إلى الجنوب العربي.
مقهى أقدم من دول كثيرة قائمة اليوم، وأقدم من أندية رياضية شهيرة، نجا من الحروب والأزمات والتحولات السياسية والاحتلالات، وظل يقدم الشاي العدني لأجيال متعاقبة، لكنه عجز أخيرًا عن الصمود أمام “إنجازات” الوحدة التي بشّر بها روفلات الجبهة القومية وقيادات الحزب الاشتراكي اليمني والجبالية.
هؤلاء الذين خرجوا على الجنوب العربي بشعارات الوحدة والتقدم والعدالة، ثم دفعوا به إلى مشروع سياسي لم يحصد منه المواطن الجنوبي سوى الأزمات، يمكن اليوم أن يفخروا بأحد أعظم إنجازاتهم: إغلاق مقهى عمره أكثر من قرن لأن الدولة العظيمة التي صنعوا مشروعها لم تستطع توفير الغاز!
أي عبقرية سياسية تلك التي تجعل مقهى تاريخيًا يغلق أبوابه بسبب أسطوانة غاز؟ وأي مشروع وحدوي هذا الذي يعجز عن توفير أبسط احتياجات الحياة، بينما يستطيع توفير كل شيء آخر من شعارات ووعود وضرائب وأزمات؟
لقد “رأف” روفلات الجبهة القومية والاشتراكي والجبالية بالجنوب رأفة لا مثيل لها؛ فأخذوا وطنًا له مدنه وموانئه وتاريخه ومؤسساته، وأدخلوه في مغامرة سياسية، ثم تركوا للأجيال إرثًا من الأزمات والانقسامات والخراب.
واليوم يقف “سكران” شاهدًا صامتًا على تلك الرأفة المزعومة.
فإذا كان مقهى عمره 115 عامًا لم يعد قادرًا على الاستمرار بسبب غياب الغاز، فماذا بقي من “مكاسب” المشروع الذي دفع الجنوب ثمنه؟
ربما كان أعظم إنجاز لروفلات الجبهة والاشتراكي والجبالية أن يجعلوا الجنوب العربي يحن إلى زمن كان فيه مقهى عمره قرن يستطيع أن يفتح أبوابه دون أن ينتظر أسطوانة غاز من سلطة عاجزة!
تلك ليست وحدة.. تلك فاتورة قرار سياسي ما زال الجنوب يدفع ثمنه حتى اليوم.
