يمكن تفسير معادلة الاستنزاف في اليمن:
هي تصعيد حوثي مستمر، وضبط نفس من قبل الخصوم، مكبل بالحسابات الدقيقة للعواقب والخسائر المحتملة، مما يمنعه من اتخاذ قرار الحرب الشاملة رغم قدرته العسكرية.
في المشهد اليمني اليوم فصلاً جديداً من فصول الحرب غير المتناظرة، حيث تواصل جماعة الحوثي تصعيدها العسكري الممنهج عبر استهداف خطوط الملاحة الدولية، والمنافذ البرية وحقول الطاقة.
هذا التصعيد اليومي يقابله سياسة “ضبط النفس” من الأطراف الدولية، وموقف يوصف بـ “الهزيل” من قِبل الحكومة الشرعية، مما يضع أمن المنطقة بأسرها على حافة الهاوية.
مهمة التحالف البحري: احتواء لا إنهاء:
تتولى التحالفات البحرية الدولية في البحر الأحمر مهمة محددة بدقة، وهي حماية وتأمين السفن التجارية وتأمين حرية الملاحة الدولية من الهجمات.
ورغم القوة العسكرية الهائلة لهذا التحالف، فإن عقيدته العملياتية تقتصر على “الدفاع النشط” والردود الموضعية؛ أي إسقاط المسيرات وقصف منصات الإطلاق دون الدخول في معركة برية لإنهاء التهديد من جذوره بسبب وعورة التضاريس وصعوبة الكلفة البشرية.
هذا الأسلوب حوّل المهمة إلى عملية استنزاف مالي وعسكري مستمر، حيث تُطلق صواريخ دفاعية بملايين الدولارات لإسقاط مسيرات رخيصة الكلفة.
الشرعية: بيانات بلا مخالب:
في المقابل يقتصر موقف ما يسمى “الحكومة الشرعية” على إصدار بيانات التنديد والشجب في وسائل الإعلام دون اتخاذ خطوات حاسمة على الأرض. ول زالت تعاني من تشتت القرار العسكري والسياسي بين فصائلها المتعددة، وغياب استراتيجية هجومية موحدة يلتف حولها الجميع.
هذا العجز الميداني جعلها دائماً في موقع رد الفعل، عاجزة عن حماية مواردها السيادية أو الرد بالمثل على الخروقات الحوثية اليومية، مما أضعف موقفها التفاوضي وقوتها على الأرض وزاد من قناعة الخصم بضعف جبهتها المقابلة.
هل يمكن محاربة الحوثي بنفس أدواته الرخيصة؟
يطرح المراقبون تساؤلاً منطقياً: لماذا لا يتم مواجهة الحوثي بنفس سلاحه الرخيص كالطائرات المسيرة الانتحارية والزوارق المفخخة؟
نظرياً يمثل هذا الحل وسيلة ممتازة لكسر تفوق الحوثي واستنزافه مالياً.. لكن واقعياً تواجه الجيوش النظامية عوائق صارمة؛ فالقوانين الدولية وقواعد الاشتباك الصارمة تمنعها من استخدام أسلحة رخيصة غير دقيقة قد تصيب مدنيين وتسبب أزمات حقوقية.
كما أن مايسمى “القوات الشرعية” تفتقر حتى الآن للبنية التحتية وسلاسل الإمداد لتصنيع هذه التقنيات محلياً وبشكل مستدام، بينما بنى الحوثيون شبكتهم عبر سنوات طويلة من التهريب والدعم الخارجي لقطع الغيار.
الخلاصة:
إن استمرار التهدئة وضبط النفس في مواجهة طرف لا يعترف بها يمنح الجماعة فرصة ذهبية لتعزيز نفوذها وتثبيت ما تسميه معادلة “الحصار بالحصار”، بينما يتآكل موقف خصومها تدريجياً، مما يجعل كسر العظم العسكري خياراً مؤجلاً يُستعاض عنه بإدارة مؤقتة للأزمة تكلفتها باهظة على المدى الطويل.
