*- شبوة برس – خاص
في تعليق على ما كتبه حسن الكاف بشأن ما وصفه بـ”المدرسة اليمنية العقدية”، يرى “شبوة برس” أن النقاش حول المصطلحات العلمية لا ينبغي أن يتحول إلى انتقاص من التجربة الحضرمية أو التشكيك في خصوصيتها الدعوية والتربوية، خصوصًا أن مدرسة حضرموت تمثل تجربة إسلامية ذات حضور تاريخي واسع تجاوز حدود الجغرافيا المحلية إلى آفاق آسيوية وأفريقية بعيدة.
فمدرسة حضرموت لم تكن مجرد عنوان جغرافي مستحدث، بل تعبيرًا عن منهج دعوي وتربوي تجسد عبر أجيال من العلماء والدعاة والتجار الحضارم، واستند إلى العلم والفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية والتزكية والسلوك، مع نموذج أخلاقي جعل الإنسان وسلوكه وقدوته وسيلته الأساسية في الدعوة.
وتكمن عظمة التجربة الحضرمية في أن الإسلام انتشر على أيدي أبنائها في مناطق واسعة من جنوب وشرق آسيا، وصولًا إلى إندونيسيا وماليزيا وجنوب الفلبين وأجزاء من الصين وتايلاند، كما امتد أثرها إلى مناطق من شرق أفريقيا، دون أن تقوم دعوتها على جيوش الفتح أو الإكراه أو الاستعلاء، وإنما على التجارة والأمانة والصدق وحسن المعاملة والقدوة الحسنة.
وهنا تتجلى خصوصية مدرسة حضرموت؛ فقد حمل رجالها الإسلام إلى مجتمعات بعيدة، ودخل الناس فيه لما وجدوه من أخلاق التجار والدعاة وأمانتهم وصدقهم، حتى أصبحت آثارهم جزءًا من النسيج الديني والاجتماعي والثقافي لتلك المجتمعات.
ومن الإنصاف كذلك ألا تتحول المناقشة العلمية حول مصطلح “المدرسة” إلى معركة تستهدف حضرموت أو تجربتها التاريخية. فمن حق الباحثين مناقشة المصطلحات والأصول والمناهج، لكن من غير المنصف تجاهل المكانة العلمية والدعوية التي اكتسبتها حضرموت عبر قرون.
وفي المقابل، فإن محاولة فرض مسمى واسع مثل “المدرسة اليمنية العقدية” بوصفه عنوانًا جامعًا ونهائيًا للتجربة العقدية في اليمن تحتاج إلى تدقيق علمي وتاريخي، لأن اليمن عرف عبر تاريخه تنوعًا فقهيًا وعقديًا وفكريًا واسعًا، ولا يصح اختزال هذا التنوع في مدرسة واحدة لمجرد الانتماء الجغرافي.
والأولى أن يكون التجديد العلمي قائمًا على البحث والتوثيق واحترام التنوع، لا على صناعة مسميات فضفاضة تتجاوز التاريخ أو تستخدم الجغرافيا لفرض احتكار للهوية الدينية والفكرية.
أما مدرسة حضرموت، فإن قيمتها الحقيقية لا تحتاج إلى شهادات المسميات المستحدثة؛ فقد تركت بصمتها في وجدان ملايين المسلمين بعيدًا عن موطنها، وكانت الأخلاق والأمانة والعلم والقدوة الحسنة أدواتها في الدعوة.
إنها تجربة حضرمية في منطلقها، إسلامية في رسالتها، وإنسانية في أثرها، ومن الصعب أن تختزلها أي حدود جغرافية أو أن تنتقص منها سجالات المصطلحات.
فإذا كان المطلوب تجديد الخطاب الديني، فليكن التجديد بالعلم والاعتدال والرحمة، لا بالغلو ولا بإقصاء التجارب الإسلامية الأصيلة، ولا بمحاولة فرض مسميات لا تستند إلى تاريخ راسخ.
مدرسة حضرموت لم تحتج إلى سيف لتنتصر، فقد انتصرت أخلاق رجالها قبل أن تنتشر دعوتهم، ووصل أثرها إلى شعوب بعيدة دون قطرة دم في سبيل الدعوة، فكان الإسلام في تجربتها رسالة أخلاق قبل أن يكون جدلًا في المصطلحات.
