تشهد منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة موجات متصاعدة من التراشق اللفظي والخطاب المناطقي الموجه، والذي يستهدف أحياناً رموزاً ومناطق جغرافية ذات ثقل تاريخي واجتماعي بارز مثل (المثلث ) ردفان والضالع ويافع.

 إن هذا الإسفاف الإعلامي الذي تذّكيه أقلام تبحث عن الحضور من خلال إثارة النعرات لا يمثل وعي المجتمع، بل يعكس حالة من الانحدار القيمي يتوجب التوقف عنها فوراً لحماية السلم الأهلي.

في هذا المشهد تتداخل أبعاد سياسية واجتماعية معقدة؛ فالاستقطاب السياسي الحاد والممتد في الساحة اليمنية والجنوبية جعل من الفضاء الرقمي ساحة لتصفية الحسابات السياسية وتغذية الانقسامات. ويتحمل صناع المحتوى والناشطون مسؤولية أخلاقية كبيرة، حيث يؤدي الانجرار وراء لغة التخوين والتحقير والتعيير بالمناطقية إلى تفتيت النسيج المجتمعي، وتحويل الخلافات السياسية المشروعة إلى صراعات مجتمعية دفينة تخدم أطرافاً لا تريد الخير للمنطقة واستقرارها.

وأمام هذه التحديات برزت مبادرات ودعوات جادة أطلقتها النخب الفكرية والمكونات السياسية والاجتماعية للحد من خطاب الكراهية.

وتؤكد هذه الجهود على أهمية تبني مواثيق شرف إعلامية تجرم العنصرية والمناطقية، وتدعو إلى ترشيد الخطاب العام، والتركيز على القضايا الجامعة.

إن تفنيد الخطأ وتفنيد لغة الإساءة يتطلب وعياً جمعياً يرفض تلك الأصوات المغمورة التي تحاول القفز على الثوابت لخدمة أجندات ضيقة، مع التأكيد على أن الحرية الإعلامية تنتهي عندما تبدأ بالإساءة لكرامة الإنسان وهويته الاجتماعية.

عند العودة إلى التاريخ المشترك نجد أن مناطق (المثلث) ردفان والضالع ويافع كانت على الدوام صمام أمان ومقبرة للمشاريع الظلامية؛ فمن ردفان انطلقت شرارة ثورة أكتوبر ضد الاستعمار، وقدمت هذه السلسلة الجغرافية المترابطة تضحيات جسيمة في شتى المنعطفات الوطنية لحماية المكتسبات ودحر المشاريع الدخيلة.

إن هذا التاريخ الحافل بالبطولة والالتلاحم لا يمكن أن تنال منه جملة عابرة أو إساءة مقززة من قلم منفلت، بل يظل شاهداً على دور هذه المناطق في مد جسور التعايش وحفظ الكرامة.

نرى إن المرحلة الراهنة تتطلب رص الصفوف، والترفع عن صغائر الأمور والمهاترات الرقمية، فالبناء يتطلب لغة تجمع ولا تفرق، لغة تُعلي من شأن المشتركات التاريخية، وتقف بحزم في وجه كل من يحاول تمزيق روابط الإخاء والدم دفاعاً عن حاضر ومستقبل جنوب يتسع للجميع بكرامة وعدالة وتلاحم.