لم يعد النظر إلى الحوثيين باعتبارهم مجرد ذراع إيرانية كافياً لفهم تحركاتهم في اليمن والبحر الأحمر، إذ ترى الباحثة في مؤسسة “راند” ألكسندرا ستارك أن الجماعة باتت تمتلك مصالحها وحساباتها الخاصة، وقدرتها على اتخاذ قرار التصعيد في توقيت يخدم أهدافها، حتى وإن استفادت لسنوات من الأسلحة والتدريب والخبرات الإيرانية.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز بعنوان “لا تستهين أبداً بالحوثيين”، تحذر ستارك من أن الجماعة أصبحت في موقع يسمح لها بالتأثير في المرحلة المقبلة من الصراع الإقليمي، خصوصاً إذا وسعت عملياتها في باب المندب بالتزامن مع الاضطرابات في مضيق هرمز.
الجغرافيا تمنح الحوثيين ورقة عالمية
وتشير الكاتبة إلى أن باب المندب تمر عبره نسبة تتراوح بين 12 و15 بالمئة من التجارة البحرية العالمية، بينما تقع قناة السويس عند الطرف الآخر من البحر الأحمر، ما يجعل الممر أساسياً لتدفقات الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا والأسواق الأخرى.
وترى أن اضطراب حركة الملاحة في هرمز رفع بصورة كبيرة أهمية طريق البحر الأحمر، خصوصاً مع اعتماد السعودية على نقل جزء من النفط عبر خطوط الأنابيب إلى ميناء ينبع لتجاوز هرمز.
لكن استئناف الحوثيين هجماتهم على الملاحة والمنشآت السعودية يضع هذا المسار أيضاً تحت الضغط.
من صنعاء إلى البحر الأحمر
وبحسب “نيويورك تايمز”، راكم الحوثيون منذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014 نفوذاً تجاوز حدود الحرب اليمنية، قبل أن تكشف هجماتهم على السفن خلال الفترة بين 2023 و2025 قدرتهم على التأثير في أحد أهم طرق التجارة العالمية باستخدام صواريخ ومسيّرات وزوارق غير مأهولة منخفضة الكلفة.
وأجبرت تلك الهجمات شركات شحن على تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح، مضيفة آلاف الأميال البحرية إلى الرحلات ورافعة تكاليف النقل والتأمين.
ليسوا مجرد ورقة إيرانية
وترى ستارك أن افتراض تحرك الحوثيين دائماً بناء على تعليمات طهران يتجاهل جانباً مهماً من سلوك الجماعة.
فالحوثيون، بحسب تحليلها، أظهروا قدرة على اختيار توقيت الدخول في المواجهات والتصعيد وفق مصالحهم، واستخدموا عمليات البحر الأحمر أيضاً لتعزيز موقعهم الداخلي وتحسين أوراقهم في المفاوضات المتعلقة بمستقبل اليمن.
وتشير الكاتبة إلى أن التصعيد الحالي قد يكون مرتبطاً بمحاولة الحصول على نفوذ أكبر في أي تسوية مع السعودية، أو تهيئة الظروف لجولة جديدة ضد القوات المناوئة لهم داخل اليمن.
تسوية إيران قد لا تكفي
وتصل “نيويورك تايمز” إلى النقطة الأكثر أهمية: التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني بالضرورة انتهاء تهديد الحوثيين.
وترى ستارك أن التعامل معهم باعتبارهم مشكلة يمكن حلها من خلال طهران قد يقود إلى تقديرات خاطئة، بعدما أصبحوا فاعلاً يمتلك مصالحه وقدرته المستقلة على تعطيل الملاحة وإعادة إشعال الحرب اليمنية وجر السعودية والولايات المتحدة إلى مواجهات جديدة.
وبذلك تصبح المعادلة أكثر تعقيداً: إيران ساهمت في بناء القوة الحوثية، لكن الجغرافيا منحت الحوثيين ورقتهم الخاصة. ومع اضطراب هرمز وارتفاع أهمية باب المندب، لم يعودوا مجرد لاعب يمني أو تابع إقليمي، وإنما قوة تستطيع التأثير في واحد من أكثر شرايين الاقتصاد العالمي حساسية.
