يُراوح المشهد اليمني مكانه منذ سنوات طويلة في دوامة من التجميد العسكري والسياسي المعقد متجاوزاً منطق الحروب التقليدية التي تنتهي عادّة إما بحسم ميداني فاصل أو بتسوية سياسية شجاعة تلبي تطلعات الشعوب.

الواقع المعاش على الأرض يكشف اليوم عن معادلة بالغة التقاطع والغموض، تحولت فيها معركة “استعادة الدولة” من هدف وطني نبيل إلى مشروع استثماري طويل الأجل لبعض الأطراف المستفيدة، في حين أضحت جغرافية البلاد برمتها مجرد ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل الإقليمية الساخنة وجس النبض الدولي تحت لافتات قانونية مجهزة وعناوين عريضة صيغت بعناية فائقة لخدمة مصالح عابرة للحدود.

. في المقام الأول يبرز مصطلح “اقتصاد الحرب” كأوضح تفسير سياسي لحالة الشلل الدائم والجمود المفتعل التي تصيب الجبهات العسكرية المناهضة للمشروع الحوثي.

 إن قطاعاً واسعاً من النخبة السياسية والعسكرية المنضوية تحت راية مايسمى “الحكومة المعترف بها دوليا”، بات يجد في الإقامة الدائمة في عواصم الشتات _وتحديداً في ردهات الفنادق الفارهة والمجمعات السكنية الراقية _  واقعاً مريحاً للغاية يدر عليهم امتيازات مالية ضخمة ومخصصات دبلوماسية هائلة بالعملة الصعبة.

هذا الترف الاقتصادي والسياسي الفاحش خلق فجوة هائلة وهُوة سحيقة بين قيادة تعيش بمعزل تام عن المعاناة اليومية، وبين شعب مطحون يعاني الغلاء الفاحش وتدهور العملة وانعدام الخدمات الأساسية.

 ومن الطبيعي تماماً وفقاً لمنطق المصالح والمكاسب أن تفقد هذه النخبة أي دافع حقيقي أو رغبة جادة في إنهاء الحرب؛ فالأمن الوظيفي والمالي لهؤلاء ارتبط ديموغرافياً وعضوياً باستمرار الأزمة وتعميقها، وأي تسوية سياسية شاملة أو حسم عسكري حقيقي سيعني بالضرورة تجريدهم الفوري من هذه الحياة الفارهة والمكاسب المكتسبة وإعادتهم إلى حجمهم الطبيعي على الأرض.

. وفي السياق الجيوسياسي يرتبط قرار السلم والحرب في الساحة اليمنية ارتباطاً وثيقاً بحسابات الأمن الإقليمي ومعادلة الاستقرار في المنطقة.. وتبرز هنا العلاقة الاستراتيجية بين الرياض والحكومة المعترف بها دولياً؛ إذ يرى مهندسو السياسة الإقليمية أن دعم واستمرار مؤسسات “الشرعية”  يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على المرجعية القانونية والسياسية للملف اليمني أمام المجتمع الدولي والأمم المتحدة.

إن الحفاظ على هذا الإطار القانوني يعد أمراً حيوياً لتفادي أي فراغ سياسي أو أمني قد يؤثر سلباً على أمن الحدود المشتركة أو يمنح مساحة لنشوء قوى غير منضبطة خارجة عن التوافقات الإقليمية.

 وبناءً على هذه المعطيات تتجه المقاربات الحالية نحو تفضيل خيار ‘إدارة الأزمة’ والتعامل الموضعي والدبلوماسي مع التحديات الأمنية المختلفة لتجنب التصعيد العسكري الشامل وحماية التوازنات الحساسة وصولاً إلى صيغة سلام مستدام تلبي تطلعات الشعب اليمني وتحمي الأمن القومي العربي.

 في المحصلة يبدو أن اليمن قد دُفع دفعاً نحو سيناريو مظلم من “اللاحرب واللاسلم”، حيث يتعايش قادة الحرب وتجار الأزمات في الداخل مع المأساة المستمرة بينما يدفع المواطن اليمني وحده ومن قوته اليومي ودماء أبنائه كلفة هذا التوازن الحرج الذي يخدم أجندات الجميع باستثناء أصحاب الأرض الحقيقيين الذين ينشدون الاستقرار والسلام.