*- شبوة برس – رأي شبوة
المشكلة ليست في الدين، ولا في التدين، ولا في حق أي جنوبي في اختيار توجهه الفكري والديني، وإنما في تحويل العنوان الديني إلى حاجز يمنع قراءة الوقائع السياسية والعسكرية كما حدثت على الأرض.
السلفيون الجنوبيون كانوا جزءًا من المواجهة التي خاضتها مختلف فصائل المقاومة الجنوبية ضد المليشيات اليمنية، وهذه حقيقة يعرفها الجميع. لكن السؤال الذي يجب ألا يخشاه أحد هو: هل تكفي هذه الحقيقة وحدها لإعفاء بعض المواقف اللاحقة من النقد والمراجعة؟
السياسة لا تُقرأ من كتب الوعظ، والحروب لا تُفهم من الشعارات الدينية وحدها. هناك مواقف وتحالفات وحسابات ومصالح، ومن الخطأ أن يُطلب من أبناء الجنوب التعامل معها بعين دينية مغلقة، بينما تُدار المعارك على الأرض بمنطق سياسي وعسكري واضح.
والأشد خطورة أن يتحول الخلاف السياسي إلى تصنيف ديني، فيصبح نقد موقف سياسي وكأنه عداء للدين، ويصبح الاختلاف مع جماعة أو تيار وكأنه استهداف للمذهب. هذه معادلة خطيرة لأنها تعطل العقل، وتمنح بعض المواقف حصانة لا تستحقها لمجرد ارتدائها ثوبًا دينيًا.
إن أبناء الجنوب لا يواجهون قضية فقهية، بل قضية أرض وهوية وحقوق ومستقبل سياسي. ومن ثم فإن معيار الموقف يجب أن يكون: أين يقف صاحبه من مصالح الجنوب؟ وماذا فعل حين كانت الخيارات صعبة؟ ومع من اصطف عندما كانت الوقائع تختبر المواقف؟
لا يجوز أن يكون الجنوب ساحة مفتوحة لتجارب الآخرين السياسية، ولا أن يتحول أبناؤه إلى أدوات في صراعات لا تخدم قضيتهم. كما لا يجوز لأي تيار، مهما كان عنوانه الديني أو السياسي، أن يطلب من الجنوبيين الثقة العمياء بينما تفرض الوقائع أسئلة صعبة تستحق إجابات واضحة.
المطلوب اليوم ليس مهاجمة السلفيين الجنوبيين ولا استعداءهم، وإنما دعوتهم إلى الفصل بين الدين والسياسة، وبين احترام التدين ومراجعة المواقف السياسية. فمن حق الجنوبي أن يكون سلفيًا أو غير ذلك، لكن ليس من حق أي عنوان ديني أن يحجب عنه حقه في مساءلة المواقف السياسية التي تمس وطنه ومستقبله.
إن الجنوب بحاجة إلى عقل سياسي أكثر من حاجته إلى مزيد من الاستقطاب. وبحاجة إلى قراءة شجاعة للتجربة، لا إلى إعادة إنتاج الانقسامات تحت عناوين جديدة.
فالمرحلة لا تحتمل أنصاف المواقف. ومن أراد أن يكون مع الجنوب، فليكن موقفه واضحًا عندما تتعارض مصلحة الجنوب مع أي مشروع آخر، أيًا كان الغطاء الذي يختبئ خلفه.
*- محرر “شبوة برس”
