في تاريخ الأمم والشعوب كانت الحرية دائماً هي الفطرة السوية التي تولد مع الإنسان، وكان السعي نحو العدالة والمواطنة هو المحرك الأساسي لقطار الحضارة.

 غير أن هذا القطار كثيراً ما واجه عقبات تعيد العقارب إلى الوراء، وأشد هذه العقبات ظلاماً هي تلك المشاريع التي تتكئ على “إدعاءات الحق الإلهي” لتبرير تسلط سلالة أو جماعة على رقاب ومستقبل الشعوب .

١. زيف الادعاء وسقوط المنطق:

إن فكرة احتكار السلطة أو الثروة بناءً على عرق أو سلالة أو تفويض سماوي مزعوم هي فكرة تصطدم صِدَاماً مباشراً مع قيم الدين الحنيف ومع المنطق الإنساني السليم.

 فالدين جاء ليحرر البشر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وجعل “الشورى” و”العدل” هما الركيزتين الأساسيتين للحكم.

عندما تدعي جماعة ما أن الله اصطفاها دون بقية خلقه لتكون حاكمة ومتحكمة فإنها لا تصادر حقوق الناس السياسية فحسب، بل تطعن في مبدأ التكريم الإلهي لكل بني آدم.

هذا الزيف الفكري لا يمكن أن يصمد أمام وعي المجتمعات الحديثة التي أدركت أن شرعية الحاكم تنبع من شعبه وصندوق الاقتراع وسيادة القانون، لا من صكوك الغفران ومزاعم الاصطفاء.

٢. استحالة التعايش مع الظلام:

لا يمكن لعجلة التاريخ أن تعود إلى القرون الوسطى. وإن القبول بمنطق السلالة يعني ببساطة:

– تدمير السلم الاجتماعي: عبر تقسيم المجتمع عمودياً إلى “سادة” ومحكومين، مما يزرع أحقاداً لا تنطفئ نيرانها.

– إلغاء الكفاءة: حيث يصبح المعيار هو القرب والنسب لا العلم والإنجاز، مما يؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة وتفشي الجهل والفقر والتخلف.

– مصادرة المستقبل: فالمنظومة الظلامية تخشى التنوير وتحارب التعليم الحديث وتحاول صياغة عقول الأطفال والشباب وفق أيديولوجيا طائفية ضيقة تحولهم إلى وقود لحروب دنيوية لا تنتهي.

٣. إرادة الشعوب وصناعة الغد:

إن الشعوب التي تذوقت معاني الحرية والمواطنة، وقدمت قوافل من الشهداء في سبيل كرامتها لا يمكن أن تسلّم مستقبل أجيالها لمشروع كهنوتي.

 الأجيال الجديدة اليوم تنظر إلى العالم من حولها وترى كيف تبنى الدول بالعلم والتكنولوجيا واقتصاد المعرفة والعدالة الاجتماعية.

ولذلك فإن محاولة فرض حكم ثيوقراطي (ديني متطرف) بالقوة هي محاولة لزراعة نبتة غريبة في أرض ترفضها، ولن تحصد هذه المحاولات سوى الرفض والمقاومة المستمرة.

فصل الخطاب

إن مستقبل الأبناء والأجيال القادمة أمانة لا تقبل المساومة أو الهروب.. ولن يقبل وعي اليوم أن يُرهن غدُه لأوهام الأمس.. ستبقى إرادة الشعوب المتمسكة بكرامتها وحريتها ومواطنتها المتساوية هي الصخرة التي تتحطم عليها كل إدعاءات الحق الإلهي المزيفة، فالظلام مآله الإنقشاع والفجر لا تصنعه إلا أيدي الأحرار.