في مسار التاريخ لا تُقاس القضايا الكبرى بالمنعطفات العابرة، بل بالحق الأصيل الذي تحمله في جوهرها.. وحين تعرضت القوى الجنوبية لأحداث يناير الماضي من الحليف قبل الخصم سارع بعض الخصوم إلى ارتداء ابتسامات السخرية والشماتة ظانّين واهمين أن الموازين السياسية المؤقتة قد حسمت صراع الوجود.

 فما الذي تعنيه فلسفياً تلك الابتسامات الماكرة؟:

إن شماتة الخصوم ليست دليلاً على قوتهم، بل هي قراءة سطحيّة وتعبير عن عجزهم التاريخي.. الفيلسوف الألماني “نيتشه” يرى أن الشماتة وسخرية العاجز هي سلاح من لا يملك القدرة على الفعل الحقيقي؛ فالخصم الذي فشل في مواجهتك مباشرة يرى في تقلبات التحالفات فرصة مجانية للاحتفال بنصرٍ لم يصنعه بيده.. ابتسامته اليوم هي اعترافٌ ضمني بأنه كان عاجزاً أمامك، وأنه يحتاج دائماً إلى يدٍ خارجية لتمنحه شعوراً زائفاً بالتفوق.

لكن ما يغيب عن وعي هؤلاء الشامتين هو التمييز الفلسفي بين “الانتكاسة التكتيكية” و”الهزيمة الوجودية”.. الضربات في عالم السياسة والتحالفات قد تصيب الجسد السياسي بكبوة، لكنها لا تقتل الروح الإيديولوجية للشعوب.

الهزيمة لا تحدث إلا عندما يتنازل صاحب الأرض عن حقه، أو عندما تنكسر إرادته.

وطالما أن شعب الجنوب يؤمن بعدالة قضيته كأصحاب حق تاريخي وأرض وهوية، فإن أحداث يناير الماضي لم تكن محطة للنهاية؛ بل كانت أشبه بـ ‘كبوة جواد’ أصيل، أخطأ في حسابات الزمن لبرهة، لكنه يمرض ولا يموت، وكبوته هذه ما هي إلا استجماع للقوة كي يعود متصدراً للسباق كما كان دوماً.

 لقد تحولت تلك الأحداث إلى مصفاة حقيقية لفرز المواقف واختبارٍ وجودي للصلابة يعيد ترتيب الصفوف على أسس أكثر وعياً ويقظة، ليتعلم الجواد من عثرته كيف يقرأ الميدان بذكاءٍ أكبر.

إن التاريخ يعلمنا أن القوى الحية التي تنطلق من مظلومية عادلة وحق مشروع لا تموت؛ فالضربة الموجعة توقظ الوعي الجماعي، وتحول الألم إلى طاقة دفع استراتيجية ترفض الانكسار.

 أما ابتسامات الأعداء فستبقى معلقة في الفراغ، لأنها مبنية على رمال متحركة من المتغيرات الإقليمية، بينما الثابت الوحيد هو الأرض ومن عليها.

الرد الفلسفي الأرقى على هذه السخرية ليس بالدخول في مهاترات، بل بالصمود الواعي والعمل الصامت وتحويل التحدي إلى فرصة لبناء الذات الاعتمادية.

 ليدع الجنوبيون خصومهم قضيتهم يبتسمون مؤقتاً، فالتاريخ لا يكتبه من يضحك أولاً، بل يصنعه من يمتلك الأرض، ويقين الحق، ونَفَس الحرية الطويل الذي لا ينقطع.