في المسرح السياسي العالمي المعاصر يبرز دونالد ترمب كـ “رئيس الصفقة” الأبرز! محولاً شؤون الحكم إلى منصة للمزايدات التجارية، كاسراً كل قواعد الدبلوماسية التقليدية.

إن محاولة فهم الرجل بالمنطق السياسي الكلاسيكي تشبه محاولة قياس المسافات بالملعقة؛ فالرجل لا يتحدث بلغة “رجال الدولة” الحذرة، بل يمارس السياسة بمنطق “المطور العقاري” الذي يدير سوقاً كونية مفتوحة للبيع والشراء والمقايضة.

تبدأ اللعبة دائماً بفصل مسرحي صاخب يُلائم سيناريوهات هوليوود: تهديدات مرعبة، ولغة هجومية كاسحة، وقرع لطبول حرب تبدو للوهلة الأولى حتمية ومدمرة.

 يرفع “رئيس الصفقة” سقف التصعيد إلى أقصاه، يلوح بالعقوبات الشاملة، ويقود العالم إلى حافة الهاوية ليرتعد الخصوم وتحتبس أنفاس الحلفاء.. وحين يظن الجميع أن الإنفجار قاب قوسين أو أدنى، يبتسم السمسار فجأة ويهبط مؤشر الصوت العالي ليعلن عن ولادة “الصفقة السحرية” .

هذا التناقض الصارخ ليس عبثاً أو تقلبات مزاجية، بل هو استراتيجية تفاوضية مدروسة بعناية لخصها بنفسه في كتابه “فن الصفقة”.

 إنه أسلوب “الضغط الأقصى” لخلق الذعر ثم طرح المخرج الوحيد الذي يرتضيه ويثبت شروطه.. وبدبلوماسية ساخرة نكتشف أن الحروب والأزمات في عقيدته ليست صراع مبادئ أو قيم إنسانية، بل هي مجرد “ملفات إدارية معطلة” وأوراق قوة تُباع وتُشترى في مزاد المصالح، خاضعة بالكامل لمنطق التكلفة والعائد المالي والسياسي.

تتحول القضايا المصيرية للشعوب تحت مطرقته إلى أرقام في ميزانية الربح والخسارة، ويتحول الأعداء اللدودون ـ بلمحة عين ـ إلى “شركاء محتملين” بمجرد إبدائهم المرونة لخفض سعر التنازلات الجوهرية التي تطلبها واشنطن.

إنها توليفة عجيبة فريدة تجمع بين خشونة التاجر وتذاكي السمسار ووقار رئيس أقوى دولة في العالم.. في النهاية قد تبدو تصريحاته متناقضة ومثيرة للجدل لكنها ثابتة في جوهرها النفعي البراغماتي.

يعلم “رئيس الصفقة” أن صخب التهديد هو أفضل غطاء لتمرير تسويات صامتة وإجبار الجميع على التوقيع .. ليبقى العالم يتساءل بمرارة: هل نحن أمام قائد يصنع السلام الدولي، أم أمام تاجر ماهر يبيع الوهم ويشتري الاستقرار بأقل الأسعار؟