بين وهم المعرفة وسراب الإعجاب الرقمي تبرز في فضاءات ومنابر التواصل الاجتماعي ظاهرة “المتذاكين” الذين نصّبوا أنفسهم فجأة محللين سياسيين ومراقبين للأوضاع العامة.
هؤلاء الأشخاص يعيشون تفاصيل الحالة النفسية المعروفة بـ “تأثير دانينغ-كروجر” في أبهى صورها؛ حيث يندفع الفرد الأقل كفاءة والأضعف فهماً لتفسير أعقد المواقف الجيوسياسية بناءً على فهم سطحي متواضع جداً، ليتحولوا تدريجياً بمرور الوقت إلى عبء ثقيل ومزعج على الوعي المجتمعي والمنصات الرقمية كافة.
وتتجلى هذه الظاهرة العبثية بوضوح متزايد في ممارسات مجموعة من أبناء الجنوب المقيمين في المغترب، وتحديداً أولئك الذين يعيشون ويقيمون في المملكة العربية السعودية.
هؤلاء الأفراد الذين قد يعجز بعضهم في حقيقة الأمر عن إدارة تفاصيل حياته اليومية البسيطة وتأمين عيشه المستقر في بلاد الاغتراب يظنون واهمين أن مجرد بعدهم الجغرافي يمنحهم أفقاً سياسياً أوسع أو حصانة فكرية فريدة.
يندفعون بغباء مركب وبليد لمهاجمة كل ماهو جنوبي او يدافع عن قضية الجنوب، ليل نهار دون أي سبب موضوعي أو قراءة واقعية للأحداث، مدفوعين فقط برغبة طفولية ومركّب نقص يدفعهم لنيل “كلمة شكر” باهتة أو إعجاب عابر من خصوم القضية الجنوبية ومتربصيها.
هذا السعي المحموم وراء النفوذ الافتراضي والظهور المزيف جعلهم دون أن يشعروا مجرد أدوات إعلامية مجانية ورخيصة تُستخدم لضرب الحاضنة الشعبية وتشويه المنجزات السياسية والميدانية المحققة على الأرض.
إن الخسارة الفادحة والأكبر في هذا “السراب البليد” لا تقتصر فقط على الهبوط الفكري والمعرفي لهؤلاء، بل تمتد لتطال البعد الاجتماعي والأخلاقي والأسري بشكل مؤلم.
فكثير من هؤلاء المتسلقين ينتمون في الأصل إلى عائلات جنوبية عريقة ومحترمة، ولها تاريخها المعروف برصيدها المجتمعي وقيمها الراسخة.
لكنهم وجرياً وراء بريق المنصات الرقمية السريع وبحثاً عن مصالح ضيقة وحظوة موهومة أساؤوا لتاريخ عائلاتهم وخدشوا مكانتها قبل أن يسيئوا لأنفسهم، مستبدلين المواقف الثابتة والمبادئ الأصيلة بتبعية مهينة تحاول يائسة صناعة الفتن الافتراضية وزيادة الاحتقان بين أبناء الوطن الواحد.
إن مواجهة هذا الارتزاق الرقمي الصاخب والتذاكي الأجوف لا تتوقف عند حدود دحض افتراءاتهم ومحاصرة أكاذيبهم، بل تتعدى ذلك إلى ضرورة خلق وعي مجتمعي صارم يعزل أطروحاتهم الهدامة ويسقط قيمتها.
يجب على الشارع الجنوبي وعلى فئة الشباب تحديداً العمل الفوري على تنقية جداولهم الزمنية من هذا الضجيج السطحي والالتفاف الكامل حول النخب الحقيقية والخبراء لحماية الوعي العام من التزييف، فالتاريخ لا يرحم أبداً من يبيع مواقف وطنه وأهله مقابل رتويت أو ثناء زائف من الخصوم والأعداء.
