إن أصل الفلسفة الإدارية والسياسية في قيام الدول يقوم على قاعدة مبدئية ثابتة: “المناصب وسائل وليست غايات”. فالمنصب العام في جوهره ليس إلا تكليفاً وأداة تمكين خُصصت لخدمة المجتمع، وتنفيذ اليمين الدستورية التي يقسمها كل مسؤول فور توليه المهام. هذه اليمين ليست مجرد مراسيم شرفية أو كلمات تُقال في المحافل، بل هي ميثاق غليظ وعهد يقطع فيه المسؤول على نفسه أمام الله والشعب رعاية مصالح المواطنين، وتوفير العيش الكريم، وصون الخدمات العامة التي تلبي احتياجات حياتهم اليومية.
لقد وضع المسؤول المقسم – سواء كان وزيراً، أو نائباً، أو مديراً عاماً – نفسه موضع أمانة عظيمة؛ وبات مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن دمعة كل أم تُعاني، وقهر كل أب يعجز عن توفير قوت يومه، وصرخة كل طفل يُحرَم من حقوقه، وأنين كل مريض لا يجد الدواء. إنها مسؤولية ثقيلة تُؤرّق المخلصين وتطرد النوم من أعين من يُدركون ثقل الأمانة.
غير أن الواقع الأليم الذي نعيشه قد قلب هذه المفاهيم رأساً على عقب؛ حيث تحولت المناصب في أذهان الكثيرين من وسيلة للخدمة والبناء إلى غاية بحد ذاتها، ولهاث محموم نحو الاستئثار بالصلاحيات واقتناص الامتيازات وجني ملايين الدولارات. لقد أدى هذا التحول إلى إقامة سياج متين وسدود منيعة تعزل المسؤول عن هموم الناس، وتجعل من الوصول إليه أمرًا شبه مستحيل، في تنكر واضح لليمين الدستورية التي ما زالت تطوق عنقه.
وفي الجنوب العربي، تجلت تداعيات هذا الانحراف المؤسف في أبشع صورها؛ إذ انهارت الخدمات الأساسية على مختلف المستويات، وتصاعدت موجات الغلاء وارتفاع الأسعار بشكل يثقل كاهل المواطن، وتعطلت مصالح الشعب اليومية، في ظل حالة من الصمت والغياب الميداني جعلت الشارع يردد في أسى: “لا حياة لمن تنادي”.
إن الخروج من هذه الأزمات المتلاحقة يستوجب إعادة الاعتبار لمفهوم “المسؤولية الإدارية والوطنية”؛ فالمنصب لا يصنع قيمة المسؤول، بل إنجازاته ووفاؤه بعهده هما من يمنحان المنصب معناه. وعلى كل من تصدى للمسؤولية أن يدرك أن الشعوب قد تصبر، لكن التاريخ لا يرحم، وأن اليمين الدستورية ستظل حجّة على صاحبها يوم لا ينفع مال ولا جاه.
