في الحروب والنزاعات الدولية والمحلية، استقرت الأعراف على أن الحكومات هي الجهات التي تحرس السجون، وتحافظ على تطبيق القانون، وتخوض المفاوضات لتبادل الأسرى وفق محددات الأمن والعدالة الجنائية. لكن المشهد اليمني الأخير، وتحديداً ما دار خلف كواليس “صفقة تبادل الأسرى” بين الحكومة وجماعة الحوثي، كسر كل هذه القواعد المألوفة، ليُسجل التاريخ سابقة عالمية غريبة: المواطنون والقبائل هم من يحمون السجون من محاولات الحكومة للإفراج عن متهمين بجرائم جنائية جسيمة.
تفاصيل الصدمة: دماء الشهداء في كفة الميزان
بدأت القصة عندما تسربت قوائم الأسماء المطروحة للتبادل في الصفقة الأخيرة، لتتكشف مفاجأة صادمة لأسر الشهداء والرأي العام؛ إذ تبين أن القائمة تضمنت أسماء متهمين موقوفين ومحكومين في قضايا جنائية خطيرة. هذه الأسماء لم تكن لجنود أو مقاتلين أُسِروا في جبهات القتال، بل لأفراد متورطين في ملفات جنائية تمس الحق الخاص والعام، والتي تسببت أفعالهم بسقوط ضحايا وشهداء من أبناء الجنوب العربي.
هبّة القبائل: القضاء الشعبي يملأ الفراغ
بمجرد علم أسر الشهداء ووجهاء المجتمع بهذا التجاوز، لم يقفوا موقف المتفرج. تداعت القبائل الجنوبية فوراً، واستنفرت قواها في موقف تضامني حاسم للحيلولة دون إتمام هذه “الصفقة المجحفة”. كان التحرك القبلي والشعبي بمثابة جدار صد صلب أربك حسابات المفاوضين، وأجبر الجهات المعنية على تدارك الموقف وإلغاء تلك الأسماء الجنائية من القائمة.
المفارقة التاريخية: لم يحدث في تاريخ الصراعات الحديثة أن تتدخل القبائل والمواطنون لمنع حكومة من إخراج مساجين في قضايا جنائية، في مشهد عكس آية حراسة القانون؛ فأصبحت السلطة هي من تحاول التنازل عن دماء الضحايا، وأصبح الشعب والقبيلة هم الحارس الأمين لأسوار العدالة.
أبعاد ودلالات هذه السابقة الخطيرة
إن ما حدث يحمل في طياته دلالات سياسية واجتماعية عميقة، لعل أبرزها:
أزمة ثقة عميقة: يكشف هذا الحادث عن فجوة هائلة في الثقة بين الشارع والقبائل من جهة، وبين “حكومة الفنادق” (كما يصفها الشارع لغيابها عن الواقع) من جهة أخرى. حين يشعر المواطن أن دماء أبنائه وتضحياتهم أصبحت مجرد أوراق تفاوضية بائسة، فإنه ينتزع زمام المبادرة بنفسه.
القبيلة كمؤسسة حماية للحق الخاص: في ظل ضعف مؤسسات الدولة أو ارتهان قرارها، أثبتت القبيلة والمكونات المجتمعية أنها لا تزال الصمام الأخير لحفظ شرف التضحيات ومنع المساس بالحقوق الجنائية وأولياء الدم تحت غطاء “التفاهمات السياسية”.
سقوط المبررات الأخلاقية: إن أي سلطة تستمد مشروعيتها من تحقيق العدالة لشعبها، وإذا ما تحولت صفقاتها إلى وسيلة للعفو عن المتورطين في ملفات جنائية لصالح الطرف الحوثي، فإنها تسقط أهليتها الأخلاقية والسياسية أمام حاضنتها الشعبية.
خاتمة: درس للمستقبل
لقد وجهت القبائل الجنوبية هبةً باركتها دماء الشهداء، ورسالة شديدة اللهجة لكل من يتفاوض باسم الشعب: “دماء شهدائنا وحقوقنا الجنائية ليست للبيع، وعدالتنا ليست محل مساومة في الغرف المغلقة”.
إن هذه السابقة التاريخية ستظل شاهداً على زمن التناقضات، حيث يحمي المواطنُ الأعزلُ هيبةَ القانون من تفريط صُنّاعه، وحيث تقف القبيلة حارساً على أبواب السجون لمنع “التهريب الرسمي” باسم السياسة.
