أعاد البيان العسكري الصادر عن ميليشيات الحوثي اليوم خلط الأوراق الإقليمية واضعاً المنطقة على شفا جولة تصعيد مجهولة المآلات.

 لم يكن البيان مجرد رد فعل عابر بل إعلان صريح عن معادلة ردع جديدة؛ حيث هددت هذه الجماعة بضرب المطارات والمصالح الحيوية السعودية في حال اعتراض المقاتلات الحربية للرحلات الجوية المباشرة بين طهران وصنعاء. هذا التطور يضع المشهد اليمني والإقليمي أمام قراءة معقدة الدلالات والمآلات.

وجدت مليشيات الحوثي في حادثة تصدي دفاعاتها الجوية لمقاتلات سعودية حاولت منع طائرة إيرانية من الهبوط فرصة سانحة للانتقال إلى الهجوم السياسي.

وللعلم ..التشديد الحوثي على استمرار هذه الرحلات لـ”كسر الحصار” لا يرتبط بملف إنساني فحسب، بل هو محاولة لفرض سيادة جوية مطلقة وإسقاط آليات الرقابة والتفتيش التي فرضها التحالف لسنوات.

تسعى المليشيات اليوم لتكريس شرعيتها كسلطة أمر واقع تدير الأجواء والمنافذ دون قيود وسيطة وتؤمن خطاً رسمياً مستداماً مع طهران.

في المقابل.. تقرأ الرياض هذا الإصرار الحوثي بكثير من التوجس، حيث تتجاوز مخاوفها مسألة الخرق السيادي للأجواء إلى عمق أمنها القومي.

وتتمثل الهواجس السعودية المبررة في خشية تحول هذا الخط الجوي المباشر إلى جسر إمداد لوجستي وعسكري مستدام لنقل تكنولوجيا الطائرات المسيرة، والصواريخ البالستية، وقطع الغيار الحساسة دون أي رقابة دولية “وهذا وارد جدآ” .

كما يتيح الخط المباشر لخبراء الحرس الثوري الإيراني التنقل بحرية كاملة لإدارة العمليات وتطوير القدرات المحلية للجماعة مما يمنح طهران موطئ قدم رسمي ودائم على حدود المملكة الجنوبية.

أمام هذا التحدي العلني يتجه الصراع في اليمن نحو مسارات بالغة الخطورة.

 أولها- تقويض جهود السلام؛ فالعودة إلى لغة التهديد العسكري المباشر تنهي حالة التهدئة النسبية وتغلق أبواب التفاوض.

وثانيها- حتمية الاصطدام العسكري، فإذا أصر الحوثيون على تسيير الرحلات واستمرت السعودية في منعها فإن أي احتكاك جوي قد يفجر مواجهة واسعة تشمل قصفاً متبادلاً للمنشآت الحيوية.

 وأخيراً سيمتد هذا التصعيد ليشمل ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر مستهدفاً خطوط إمداد الطاقة العالمية.

إن بيان اليوم هو تدشين لمرحلة “كسر العظم” الإقليمية.. وبين إصرار حوثي لتثبيت النفوذ، ومخاوف سعودية مشروعة من تحول مطار صنعاء لقاعدة عسكرية متقدمة يبدو أن المستقبل يتأرجح بين فرض أمر واقع مشحون بالتوتر أو الانزلاق نحو حرب شاملة تحرق فرص السلام.