يتزامن الحراك السياسي المتسارع في المحافظات الشرقية (حضرموت، شبوة، المهرة، سقطرى) مع صعود أدبيات تحاول صياغة مشروعية فكرية لكياناتها الناشئة. في هذا السياق يبرز كتاب «أوراق فيدرالية» للدكتور “متعب بازياد” كأداة تنظيرية تسعى لشرعنة مشروع “الأقاليم الستة”، والالتفاف على الجغرافيا السياسية للجنوب .
تسويق الفيدرالية كبديل للإستقلال:
ينطلق الكتاب من أطروحة تُرجع الأزمة إلى سوء إدارة الثروة والسلطة محاولاً تقديم “الإقليم الشرقي” كحل لإنهاء المركزية.
غير أن الهدف الحقيقي يتجاوز القراءة الأكاديمية إلى صناعة “وثيقة اعتماد” دبلوماسية، وهو ما يفسر تبني قيادات إسلامية مثل صلاح باتيس توزيع الكتاب على البعثات الدولية والمعهد الديمقراطي الأمريكي .
والغاية هي خلق رافعة سياسية موالية لخطوط تمويل عابرة للحدود تسوق دولياً لرفض مشروع الاستقلال الجنوبي بذريعة التمسك بالشرعية الدستورية .
التوظيف الحزبي :
يمثل الكتاب المرجعية الفكرية والمطابقة تماماً لأدبيات مايسمى “المجلس الموحد للمحافظات الشرقية” الذي يقوده تيار باتيس، حيث يلبي رغبتهم في بقاء منظومة الدولة الاتحادية.
أما بالنسبة لـ”مجلس حضرموت الوطني”، فالعلاقة تبدو براغماتية، إذ يتقاطع مع الكتاب في فكرة الإدارة الذاتية، لكنه يبتعد عنه في أحيان كثيرة لصالح مشروع “حضرموت إقليم مستقل بذاته”، مناوراً لضمان خصوصيته دون الذوبان الكامل في صيغ الكتاب الجامدة.
محاولة الإجهاز على حلم الدولة الجنوبية:
تكمن الخطورة الكبرى للكتاب في تجاهله المتعمد للمخاوف الحقيقية المشروعة لشريحة واسعة من الشعب الجنوبي، الذي يقدم تضحيات جسيمة لاستعادة دولته كاملة السيادة.
ويرى أنصار هذا المشروع التحرري أن «أوراق فيدرالية» ما هي إلا محاولة التفاف خطيرة تهدف إلى تفتيت الهوية الجنوبية الموحدة، وتقسيم الجنوب إلى أقاليم متناحرة تابعة للمركز التقليدي ،مما يعيد إنتاج منظومة صيف 1994 بعباءة دستورية ناعمة.
مسك الختام:
يظل كتاب «أوراق فيدرالية» مجرد نظرية افتراضية ورقية محصورة في الصالونات السياسية والتسويق الخارجي .
إن تجاهل هذا الطرح للإرادة الشعبية الصلبة في الجنوب ومحاولته القفز فوق تطلعات الاستقلال يجعله مشروعاً عاجزاً عن الصمود؛ فالواقع على الأرض لا تصنعه المسودات النظرية المسيرة بالتحكم عن بعد بل تصنعه موازين القوى والتضحيات التي تأبى العودة إلى مربع التبعية.
