سيرة رجل استثنائي في الإدارة المدنية

*- شبوة برس – جمال شنيتر

ارتبط الفقيد والشخصية الإدارية المخضرمة طالب محمد مهدي السليماني ارتباطا وثيقا بنشأة الإدارة الحكومية في المحافظة الرابعة (شبوة)، وكان في صدارة نخبة من الكوادر الوطنية المخضرمة التي أسهمت في بناء مؤسسات الدولة عقب الاستقلال.

ويعد الفقيد السليماني واحدا من أبرز القيادات الإدارية في المحافظة، ممن كان لهم السبق في وضع اللبنات الأولى لهيكل الدولة الجنوبية الحديثة، والمشاركة الفاعلة في تأسيس مداميك الإدارة الحكومية وتنظيم العمل المؤسسي.

ولم يكن تميّزه مقتصرا على الجانب الوظيفي فحسب، بل امتلك شخصية إدارية استثنائية اتسمت بالحزم والكفاءة والانضباط، إلى جانب قدرته على القيادة وبناء العلاقات وإدارة المسؤوليات في أصعب الظروف.

الميلاد والنشأة

 وُلد طالب محمد مهدي ناصر السليماني في أحد أيام عام 1953 لأسرة ريفية بسيطة ومتواضعة، في قرية قوبان التابعة لمشيخة العوالق العليا – الصعيد، والتي تقع حاليا ضمن مديرية عتق بمحافظة شبوة، وينتمي إلى بيت آل محمد بن رويس، وهي أسرة اجتماعية عُرفت بالشجاعة والكرم، وتُعد دار المعقلة لقبيلة آل سليمان المتفرعة من قبائل معن بالعوالق العليا.

تربّى الفقيد في كنف هذه الأسرة ورعايتها، والتي قدمت اعمالا بطولية ضد الوجود البريطاني في المنطقة خلال خمسينيات القرن الماضي، الأمر الذي دفع القوات البريطانية إلى تدمير منازلهم بالمتفجرات عام 1954 عقابا لهم على ذلك التمرد.

جبال الكور .. صلابة ومقاومة

اضطرت الأسرة بعدها إلى الرحيل من قريتهم واللجوء إلى جبال الكور لمواصلة النضال، حيث ترعرع الفقيد في تلك الجبال الوعرة متنقلا مع أهله من مكان إلى آخر حتى عادوا إلى منطقتهم عام 1959 ، وسكنت الأسرة في مساكن منسوجة من خيوط الشعر لمدة عامين، حتى تمكنوا من تشييد منازلهم الجديدة، وعندما بلغ الثامنة من عمره غادر إلى منطقة المصينعة لدراسة المرحلة الابتدائية، حيث أمضى أربع سنوات أتمها بتفوق، وفي عام 1965 انتقل إلى منطقة الصعيد والتحق بالمدرسة المتوسطة، غير أن الأحداث السياسية التي شهدتها المنطقة أواخر عام 1967 أدت إلى انقطاعه عن الدراسة.

وخلال تلك الفترة تعرّف الفقيد على شرائح اجتماعية متعددة، وأندمج مع تنظيمات طلابية وسياسية ساهمت في تطوير معارفه وأفكاره، وأسهمت في رفع مستواه الثقافي والسياسي، وقد انعكست هذه المتغيرات ايجابيا على شخصيته وقدراته، خصوصًا بعد سفره وإقامته في مدينة عدن لاستكمال الدراسة الإعدادية خلال الفترة من 1969 حتى 1971، حيث بدأت ملامح القرية تتلاشى تدريجيا من ذهنه لتحل محلها صورة المدينة بتكويناتها وتفرعاتها المختلفة، والتي أثارت في نفسه الدهشة والإعجاب في آن واحد.

التربية والتعليم

ومع الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد بعد الاستقلال، وما نتج عنها من أوضاع معيشية قاسية، إضافة إلى استكماله الدراسة الأساسية في عدن عام 1971، دفعته الحاجة إلى البحث عن عمل،  فتقدم إلى مكتب التربية والتعليم بالمحافظة الرابعة في عدن طالبا التعيين مدرسا، إلا أن المسؤولين هناك أشاروا عليه بالالتحاق بدورة في الطيران، فوافق وملأ الاستمارة، لكن اهله رفضوا ذلك، ونصحوه بالتسجيل مدرسا في محافظته “الرابعة”، وفي اليوم التالي عاد وعدّل طلبه للالتحاق بقطاع التدريس، وتمت الموافقة على تعيينه لأول مرة في التربية والتعليم بالمحافظة الرابعة في أكتوبر 1971 .

وهكذا بدأت رحلته الطويلة والمضيئة في الوظيفة العامة، حيث باشر عمله مدرسا في منطقتي قوبان والمحضرة لمدة عامين، اكتسب خلالهما خبرات جيدة، وفي عام 1973 رُقّي إلى وظيفة ضابط خدمة بالإدارة العامة، وتمكن من النجاح في مسؤولياته الجديدة، الأمر الذي أهّله للاختيار ضمن فريق من زملائه لحضور دورة تدريبية في عدن لمدة ثلاثة أشهر، وبعد عودتهم ساهموا في تأسيس مكتب التربية والتعليم بالمحافظة، ولعب دورا بارزا في هذه العملية، حيث ظهرت براعته وقوة شخصيته في الجوانب الإدارية والتنظيمية.

الإدارة التعليمية

وفي عام 1974 عُيّن مساعدًا لمدير عام التربية والتعليم بالمحافظة، وتحمّل مسؤوليات مهمة في سن مبكرة، ما جعله أكثر التزامًا وانضباطا في العمل، وأكسبه ثقة رؤسائه الذين رشحوه للدراسة في بلغاريا عام  1975، حيث حصل هناك على دبلوم في العلوم الاجتماعية.

وعقب عودته الى ارض الوطن، انتقل إلى وزارة العمل والخدمة المدنية في أكتوبر 1976، ليُكلَّف مديرا لفرعها الجديد المزمع افتتاحه بمحافظة شبوة، وبعد ذلك غادر برفقة زميلين له لحضور دورة تدريبية بالوزارة استمرت ستة أشهر، أعقبها تأسيس فرع العمل والخدمة المدنية بمحافظة شبوة رسميا في أبريل 1977، حيث بدأ ممارسة مهامه في ظل إمكانيات شحيحة وظروف صعبة، إلا أنه استطاع النجاح بفضل مهاراته الإدارية وحماسه الكبير.

وفي تلك الفترة تمكن أيضًا من استكمال الثانوية العامة عام 1978 عن طريق الانتساب في ثانوية عتق، واستمرت طموحاته في اكتساب المزيد من العلوم والمعارف الحديثة، فشارك في العديد من الدورات التدريبية والتأهيلية العليا في الخارج، شملت بلغاريا والعراق وتونس والأردن، إضافة إلى زيارات استطلاعية للكويت والسعودية وسوريا ومصر، فضلًا عن مشاركته في العديد من الدورات الداخلية، والتي أسهمت جميعها في تطوير مهاراته القيادية والإدارية.

مجلس الشعب المحلي

وفي مطلع الثمانينيات تم انتخابه عضوا في مجلس الشعب المحلي والمكتب التنفيذي للمجلس لدورتين انتخابيتين، الأولى من 1983 إلى 1986، والثانية من 1987 إلى 1993، وخلال تلك الفترة حقق نجاحات عديدة على الصعيدين المهني والتنظيمي، كما أسهم بشكل كبير في اعتماد وإنجاز العديد من الخدمات العامة والمشاريع التنموية الحيوية في مناطق مركز عتق ومديرية الصعيد، التي كان يمثلها انتخابيا آنذاك.

مؤسسة الكهرباء

كما قامت السلطة المحلية بتعيينه رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة العامة للكهرباء بمحافظة شبوة إلى جانب وظيفته الأساسية، وتمكن خلال فترة رئاسته من إحداث نقلة نوعية في تطوير المؤسسة وتوسيع خدماتها، من خلال توفير البنية التحتية المناسبة، وتأمين الأراضي والمولدات الحديثة، وإنشاء مرافق جديدة للعمل والعمال والمعدات، إضافة إلى توفير الكوادر الفنية المؤهلة وقطع الغيار والمستلزمات المختلفة، واستمر في هذا المنصب لمدة 11 عامًا حتى نهاية عام 1993 .

مديرا للخدمة المدنية

وفي النصف الأول من عام 1991 أصدر مجلس الوزراء قرارا بتعيين مديري عموم وزارة الخدمة المدنية بالمحافظات، فتم تعيينه مديرا عاما لفرع الوزارة بمحافظة شبوة، تقديرا لخبرته وكفاءته المهنية، وخلال التسعينيات حقق إنجازات مهمة في مجال الخدمة المدنية وتطوير العمل الإداري بالمحافظة، من بينها معالجة أوضاع العاملين بالمؤسسات المتعثرة، وتطبيق مراحل الإصلاح الإداري بنجاح، وتوسيع الهيكل التنظيمي للمكتب، وزيادة عدد موظفيه، وتوفير مبنى مستقل للمركز المعلوماتي وترميمه وتجهيزه بكافة المستلزمات.

قرار استثنائي 

وفي عام 2003 صدرت قرارات جماعية بتعيينات وتنقلات جديدة لمديري عموم وزارة الخدمة المدنية في الديوان والمحافظات، ونُقل بموجبها مديرا لفرع محافظة أبين، إلا أن السلطة المحلية والمؤتمر الشعبي العام اعترضا على القرار، ورفعا مذكرات إلى نائب رئيس الجمهورية، الذي أصدر توجيهات صريحة ببقائه في موقعه السابق بصورة استثنائية.

لقد استطاع الفقيد خلال مسيرته بناء علاقات طيبة مع السلطة المحلية والوزارات المعنية، أسهمت في اعتماد وتنفيذ العديد من البرامج والأعمال المهمة، وتحقيق إنجازات كبيرة، من أبرزها توظيف أعداد واسعة من شباب محافظة شبوة، وتدريب وتأهيل موظفي الأجهزة الحكومية.

رحيل عميد الادارة

بعد معاناة طويلة مع المرض، وفي يوم الجمعة 28 يونيو 2024، شيعت محافظة شبوة وفي موكب جنائزي مهيب وحزين فقيدها مستشار المحافظة ومدير عام مكتب الخدمة المدنية والتأمينات السابق، الشيخ طالب محمد مهدي السليماني الذي وافاه الأجل بعد حياة حافلة بالعطاء في خدمة وتطوير العمل الإداري بالمحافظة، حيث ووري جثمانه الثرى عقب الصلاة عليه في مسقط رأسه بمقبرة قوبان بمديرية عتق.