تفرض المتغيرات المتسارعة في المشهد الإقليمي والدولي على القوى الحية ضرورة مراجعة أدواتها، والانتقال من منطق “إدارة الأزمات” إلى فضاء “الهندسة السياسية المرنة”. وفي هذا السياق لم يعد الحديث عن ترتيب البيت الداخلي للمجلس الانتقالي الجنوبي مجرد خيار تنظيمي بل أضحى ضرورة استراتيجية تمليها الحكمة والواقعية السياسية، حيث يدرك الجميع أن العواصف العاتية لا تُجابه بالصلابة القابلة للكسر! بل بالانحناء الذكي الذي يحمي الجذور ويصون المكتسبات.
القراءة الحصيفة للواقع: ميزان المصالح والممكنات:
إن النضوج السياسي يستدعي الإقرار بأن الجغرافيا والسياسة صنوان لا ينفصلان، وأن الذهاب في مسارات لا تتسق مع مظلة الأشقاء في المنطقة —وتحديداً في عاصمة القرار الإقليمي الرياض— قد يضع التطلعات المشروعة في مهب الرياح.
ومن هذا المنطلق يأتي مشروع إعادة الهيكلة وتحديث البنية القيادية كخطوة استباقية لنزع فتيل أي سوء فهم وتحويل نقاط التباين إلى مساحات للالتقاء.
هي مرحلة عنوانها “مجبرٌ أخاك لا بطل”، حيث يتطلب الوفاء للقضية الأساسية تجرع بعض الخيارات المريرة في الحاضر تأميناً للمستقبل وتفادياً لأي كلفة غير محتملة قد تترتب على القفز فوق الواقع.
جسور الثقة: هندسة الخطاب والمؤسسات:
تبنى الهيكلة المنشودة على أسس قادرة على تبديد الهواجس الإقليمية من خلال حزمة من التحولات الجوهرية:
تغليب الطابع المدني والدبلوماسي: الانتقال بالكيان من صيغ التمترس الميداني إلى أروقة العمل المؤسسي والحوكمة الإدارية بتقديم وجوه تكنوقراطية ودبلوماسية قادرة على صياغة التطلعات بلغة العواصم وصناع القرار الدولي.
التكامل والتناغم الإقليمي: إرسال رسائل طمأنة واضحة تؤكد أن ترتيب الأوراق الداخلية للبيت الجنوبي لا يستهدف شق الصف أو الخروج عن التوافقات الكبرى التي ترعاها المملكة العربية السعودية، بل يسعى ليكون رافعة للاستقرار وسنداً حقيقياً لجهود السلام الإقليمية.
الفصل بين الرمزية والإدارة الفوقية: إيجاد صيغة مرنة تعتمد على التدوير القيادي وبناء مجالس استشارية عريضة تفصل بين رمزية الثوابت الوطنية وبين الإدارة السياسية اليومية التي تتطلب قدراً عالياً من المناورة والمرونة مع الشركاء.
نحو مظلة أوسع: مرونة المسميات :
إن حماية المضمون تبرر أحياناً تغيير الغلاف، ومن هنا فإن مراجعة المسميات والأطر السياسية وتحويلها إلى جبهة عريضة أو تحالف وطني جامع يسقط عن الكيان صفة “الأحادية”، ويفتح الباب لاستيعاب كافة الخصوصيات والمكونات الجغرافية والاقتصادية من باب المندب إلى المهرة.
هذا التحول يسحب الذرائع التي تحاول تصوير التحركات الجنوبية كأفعال موازية، ويضعها في إطارها الصحيح كشريك فاعل وندٍّ يبحث عن استقرار مستدام تحت مظلة التوافقات الإقليمية والرعاية الدولية.
إن هذه الهيكلة ليست تراجعاً، بل هي إعادة تموضع على رقعة الشطرنج السياسية؛ فالحفاظ على سفينة التطلعات وسط هذه الأمواج المتلاطمة يوجب ضبط الأشرعة مع اتجاه الريح وبناء جسور متينة من الثقة مع الأشقاء لضمان ألا تضيع تضحيات الأمس في حسابات اليوم المعقدة.
(مجبر أخاك لا بطل)
